* د. إبراهيم جلال فضلون
اللامبالاة، في رأيي، هي أخطر من الغضب والكراهية، فلا يمكننا البحث عن الأمان عبر فرض الهيمنة وتجاهل حقوق الآخرين؛ إن ما يحدث في غزة هو اختبار أخلاقي وقانوني للضمير الإنساني العالمي.
فلم تكن كلمات إيلي فيزيل دعوة أخلاقية
مجردة، بل تحذيرًا من أن الصمت أمام المعاناة قد يطيل أمدها، وفي زمن تتدفق فيه
الصور والمعلومات لحظة بلحظة، يبرز سؤال صعب: كيف يمكن للفن أن يناقش أزمة هوية
داخل مجتمع ما، بينما تدور في الوقت نفسه حرب خلّفت أعدادًا كبيرة من الضحايا
والنازحين وأثارت نقاشًا عالميًا واسعًا حول القانون الدولي الإنساني؟.
حق المولد - قلب غزة
ترسم الفنون والآداب في المجتمعات الغربية ملامح الأزمات السياسية قبل الالتفات إليها في أروقة الدبلوماسية الرسمية، متناولةً الانقسام بين يهود أمريكيين ذوي ميول ليبرالية. ويأتي الإنتاج الثقافي المعاصر، وتحديداً المسرح السياسي في نيويورك، ليكشف عمق التصدع البنيوي داخل بنية الشتات اليهودي الأمريكي تجاه إسرائيل.
هذا الانقسام الجيلي، الذي جسدته مسرحية حق المولد (Birthright) للكاتب جوناثان سبيكتور، لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر حول الهوية، بل تحول إلى مواجهة فكرية وقانونية حادة برزت بشكل غير مسبوق عقب أحداث طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة. ومع ذلك، فإن الإشكالية الكبرى في هذه الأعمال الثقافية تكمن في تهربها الهيكلي من مواجهة "بشاعة الحبارى الحقيقية" على الأرض، واختزال الجرائم والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني في صيغة فكرية تبسيطية تتجنب النظر في عمق المأساة الإنسانية، وتنجح المسرحية في تصوير التصدعات الفكرية والنفسية داخل مجموعة من الأصدقاء، بل امتدت إلى نقاش عالمي حول استخدام القوة، وحماية المدنيين، وحدود القانون الدولي.
وقد
وثقت منظمات دولية وهيئات أممية خسائر بشرية وإنسانية واسعة، بينما انقسمت المواقف
السياسية والإعلامية في أنحاء العالم، وأصبحت الجامعات، والنقابات، والمؤسسات
الثقافية، وحتى بعض الأوساط اليهودية، ساحاتٍ لهذا الجدل،
لكنها تطرح، في الوقت نفسه، سؤالًا آخر: هل يكفي استكشاف الانقسام
الداخلي إذا بقيت الكارثة الإنسانية في غزة على هامش المشهد؟.
اليهودي وحبور الهوية السالبة
ولعل ما يلفت الانتباه أن الانتقادات لم تصدر من خارج المجتمع اليهودي
والإسرائيلي فحسب، بل جاءت أيضًا من مؤرخين وأكاديميين وحقوقيين إسرائيليين ويهود،
اختلفوا في مواقفهم، لكنهم اشتركوا في الدعوة إلى مراجعة السياسات، واحترام
القانون الدولي، والتمييز بين أمن الدول وحقوق المدنيين. هذا التنوع في الأصوات
يكشف أن النقاش يتجاوز الانقسام التقليدي بين مؤيد ومعارض، ليدخل في أسئلة أعمق
تتعلق بمستقبل المنطقة، وصورة إسرائيل في العالم، ومكانة المبادئ القانونية
والأخلاقية في زمن الحروب. ومن
هنا، فإن قراءة "حق المولد" لا تقتصر على كونها قراءة أدبية، بل تصبح
مدخلًا لفهم تحولات أوسع: كيف تؤثر الحروب في الهوية؟ وكيف يغيّر الاستقطاب
السياسي العلاقات داخل العائلات والأصدقاء؟ وهل يستطيع الفن أن يواجه الأسئلة
الأكثر إيلامًا، أم أنه أحيانًا يكتفي بعرض جزء من المشهد ويترك الجزء الأصعب خارج
الستار؟.
التصدع الجيلي للشتات
تنطلق مسرحية "حق المولد" من رصد تحول ستة من الشباب اليهود
الأمريكيين من جيل الألفية منذ عام 2006، عقب مشاركتهم في الرحلات المجانية
المدعومة التي تهدف إلى ترسيخ الارتباط الأيديولوجي بالدولة العبرية ومكافحة ما
يسمى ديموغرافياً بـ"ذوبان القبيلة" أو "ذوبان الحبارير".
يعكس السرد المسرحي كيف تآكلت هذه السردية الموجهة على مدار ثمانية عشر عاماً لتصل
إلى ذروة تصدعها في عام 2024.
إن القيمة التحليلية للمسرحية لا تكمن في حبكتها الدرامية، بل في
كونها مؤشراً دقيقاً على تحول بوصلة الولاء لدى جيل الشباب المنتمي للكُنس
الليبرالية والمحافظة في أمريكا. فالخطاب الذي كان يعتبر انتقاد السياسات
الإسرائيلية نوعاً من المحرمات الثقافية، بات اليوم ركيزة أساسية في أدبيات حركات
يهودية أمريكية بارزة مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام"
(JVP) ومنظمة "إن لم يكن الآن"
(IfNotNow)، التي تقود بانتظام تظاهرات حاشدة في واشنطن
ونيويورك للمطالبة بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال.
غزة ومرآة القانون الدولي العمياء
بينما تحاول المسرحية الهروب إلى مساحات الحوار الافتراضي وغرف
"الواتساب" لمناقشة الخلافات الفكرية، تظل الحقائق على الأرض في قطاع
غزة تتحدث بلغة الأرقام الموثقة الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية
الدولية. إن حجم الانتهاكات والممارسات التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي
يتجاوز التوصيف السياسي ليدخل بوضوح تحت طائلة الخروقات الجسيمة لاتفاقيات جنيف
الأربع لعام 1949، ويوفر مادة قانونية صلبة للدعاوى المرفوعة أمام محكمة العدل
الدولية.
وفقاً للبيانات المحدثة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون
الإنسانية (OCHA)، ومنظمة الصحة العالمية،
والتقارير المقارنة الموثقة دولياً، يمكن رصد حجم الدمار والضحايا وفق الجدول
الإحصائي التالي:
|
المؤشر الإنساني والتنموي |
الإحصاءات الموثقة (وفق الجهات الدولية
والمحلية) |
المصدر الدولي المعتمد |
الدلالة القانونية والاستراتيجية |
|
إجمالي الضحايا والمفقودين |
تجاوز 44,000
شهيد و104,000 جريح |
وزارة الصحة في غزة + تقديرات (OCHA) |
استهداف ممنهج للمدنيين والمناطق السكنية
المأهولة. |
|
ضحايا الأطفال والنساء |
يشكلون نحو 70 %من
إجمالي الضحايا |
اليونيسف + مجلس حقوق الإنسان |
خرق صريح لمبدأ التمييز والتناسب في القانون
الدولي الإنساني. |
|
استهداف الطواقم الطبية |
استشهاد أكثر من 1,000 من الكوادر الطبية |
منظمة الصحة العالمية (WHO) |
سقوط الحماية الخاصة التي تقرها اتفاقية جنيف
الرابعة للمنشآت الطبية. |
|
اغتيال الصحفيين والإعلاميين |
توثيق استشهاد ما لا يقل عن 174 صحفياً |
اليونسكو + لجنة حماية الصحفيين |
محاولة ممنهجة لطمس الحقيقة وعزل القطاع عن
الرقابة الدولية. |
|
تدمير البنية التحتية والمساكن |
تدمير كلي أو جزئي لـ 75 %من
الوحدات السكنية |
البنك الدولي + وكالة
(UN-Habitat) |
سياسة الأرض المحروقة وجعل قطاع غزة بيئة غير
قابلة للحياة البشرية. |
|
المنشآت التعليمية والصحية |
خروج 34 مستشفى عن الخدمة وتدمير 80 %من
المدارس |
وكالة الأونروا + منظمة الصحة العالمية |
استهداف ممنهج لمقومات الاستدامة الاجتماعية
والتعليمية. |
|
النزوح القسري |
قرابة 1.9 مليون نازح داخلياً أكثر من %90 من السكان |
المفوضية السامية لشؤون اللاجئين |
جريمة تهجير قسري جماعي وعقاب جماعي يحرمه
القانون الدولي. |
الحقيقة العارية بين الناجي والهلفوت
تظهر فجوة عميقة عند مقارنة الممارسات على الأرض مع طريقة معالجتها في
المسرح السياسي الغربي في مسرحيةBirthright، يتم تلطيف الصدامات
الكبرى وإخمادها كوميدياً كلما وصلت إلى ذروتها، وهو ما يعكس عجز الثقافة
الليبرالية الغربية عن العيش مع "الحقيقة العارية" لجرائم الحرب
والاحتلال. لتبرز في المقابل مسرحية "عملاق" (Giant)، التي تدور أحداثها في
عام 1983 حول الكاتب رولد دال وناشره اليهودي البريطاني توم ماشلر (الناجي من
الهولوكوست)، قدرة أعلى على تحمل عدم الارتياح وترك التناقضات ملتهبة دون تجميل.
يعكس هذا التباين أزمة أعمق في كيفية تعامل النخب الفكرية مع صراع
السرديات، كما يوضح الجدول التالي:
|
معيار المقارنة الهيكلي |
مسرحية "Birthright" الهروب الليبرالي |
مسرحية "Giant" مواجهة الصدمة |
الواقع السياسي والقانوني على الأرض |
|
الموقف من الصهيونية والسياسة |
الدفاع عن حل الدولتين الورقي ورفض مصطلح
"الإبادة الجماعية". |
تفكيك جذور معادات السامية وعلاقتها بنقد
سياسات الدولة. |
إدانات دولية متصاعدة وملاحقات قضائية في محكمة
الجنايات الدولية. |
|
آلية حل الصراع الدرامي |
تراجع الخطوط الحمراء، واللجوء لـ "الأمر
معقد" لتبرير الموقف. |
ترك القلق والاضطراب ملتهباً دون تسويات مصطنعة. |
مواجهة صفرية وأزمة وجودية غير مسبوقة تضرب عمق
الاستقرار الإقليمي. |
|
حضور الضحية الحقيقية |
غياب كامل للرواية الفلسطينية؛ والتركيز على
أزمة الذات. |
حضور تاريخي من خلال مراجعة إرث اللجوء
والهولوكوست. |
صمود فلسطيني وتوثيق حي ومباشر للمأساة عبر
المنصات الرقمية. |
(الهسبارا) - انهيار السردية الصهيونية
وشهد شاهد من أهلها- على إن
قوة المحاكمة الأخلاقية والسياسية لسياسات الاحتلال لا تأتي فقط من المنظمات
الدولية، بل من داخل الفضاء الفكري اليهودي والإسرائيلي نفسه. لقد أسهم مؤرخون
ومفكرون بارزون في تعرية الخطاب الدعائي (الهسبارا) من خلال أبحاث استقصائية مبنية
على الوثائق والمستندات. على
سبيل المثال، يرى المؤرخ الإسرائيلي البارز آفي شلايم، أحد أقطاب "المؤرخين
الجدد"، أن إسرائيل قد تحولت بفعل سياسات الاستيطان والحروب المتكررة من دولة
كانت تدعي السعي وراء السلام إلى "دولة مارقة تضرب بعرض الحائط كافة القرارات
الأممية". وفي السياق ذاته، يصف الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي في مقالاته
بجريفة "هآرتس" الصمت الدولي والأمريكي تجاه مأساة غزة بأنه "تواطؤ
أخلاقي يمنح الاحتلال حصانة مطلقة لارتكاب المجازر اليومية وتدمير مقومات الحياة".
هذه المواقف الناقدة تمتد إلى النخب الأكاديمية الأمريكية؛ إذ يشير
المفكر نعوم تشومسكي باستمرار إلى أن الدعم العسكري والسياسي اللامحدود من واشنطن
هو الوقود الأساسي لاستمرار جريمة العقاب الجماعي والحصار الخانق المفروض على قطاع
غزة منذ سنوات، معتبراً أن غزة تحولت إلى "أكبر سجن مفتوح في التاريخ البشري
تحت سمع وبصر المجتمع الدولي".
الإعلام الغربي وانحياز الأموات
واجهت الرواية الإسرائيلية التقليدية في هذه الحرب تحدياً غير مسبوق، برغم الانحياز الواضح لكبريات المؤسسات الإعلامية الغربية التي حاولت في البداية
تبني سردية الدفاع عن النفس وتجهيل هوية الضحايا، لكن بفضل الاختراق الرقمي
والتوثيق الحي عبر منصات التواصل الاجتماعي من داخل قطاع غزة، تشكل رأي عام عالمي
جديد تقوده الحركات الطلابية في الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل هارفارد،
وكولومبيا، والسوربون).
لقد أدركت هذه الكتلة الشبابية العالمية الفجوة الهائلة بين القوانين
والمبادئ الدولية التي تروج لها الحكومات الغربية وبين ممارساتها على الأرض من
خلال تزويد الاحتلال بالسلاح والغطاء السياسي والدبلوماسي في مجلس الأمن الدولي
عبر استخدام الفيتو. هذا التحول العارم في الرأي العام العالمي جعل من صورة
إسرائيل في الغرب عبئاً أخلاقياً وسياسياً استراتيجياً، وباتت تُقيد في أذهان
الملايين بصور والمجازر استهداف الأطفال الأبرياء وخيام الحبارى والنازحين في رفح
وشمال غزة.
الأبارتهايد - نهاية السردية الإسرائيلية والعدالة الدولية
تضع الإجراءات القانونية المتخذة من قبل محكمة العدل الدولية، بناءً
على الدعوى التاريخية التي رفعتها جنوب إفريقيا، ومذكرات الاعتقال الصادرة عن
محكمة الجنايات الدولية، إسرائيل أمام عزلة قانونية ودبلوماسية غير مسبوقة في
تاريخها. لم يعد ممكناً للاحتلال الاعتماد على فكرة الحصانة المطلقة من العقاب؛
فالوثائق والشهادات الدولية المقدمة تؤسس لمرحلة جديدة من المساءلة والمحاسبة
الجنائية الدولية.
إن هذا المسار القانوني المتصاعد يتقاطع مع التحول الثقافي والاجتماعي
داخل مجتمعات الشتات، فالأجيال الصاعدة من اليهود الأمريكيين والغربيين لم تعد
تقبل بأن ترهن هويتها الأخلاقية والإنسانية لسياسات استعمارية قائمة على الفصل
العنصري (الأبارتهايد) والعدوان العسكري المستمر، وهو ما يؤكد أن السردية
الكلاسيكية للاحتلال قد تآكلت بنيوياً من الداخل والخارج على حد سواء.
وقفة: "إن
العدالة لا يمكن أن تكون مجزأة؛ والسكوت عن الظلم المفروض على الشعب الفلسطيني هو
تواطؤ يهدد أمن النظام القانوني الدولي برمته." فالأعمال المسرحية مثل "Birthright" و"Giant"، برغم عجزها عن المواجهة الكاملة
للبشاعة، تظل شاهداً على بداية النهاية لزمن الإجماع الأعمى في الشتات. ويبقى
الرهان الحقيقي على تفعيل أدوات القانون الدولي الإنساني ودعم صمود الشعب
الفلسطيني لإنهاء هذه المأساة الإنسانية المستمرة وتجسيد العدالة الغائبة على
الأرض.
* أستاذ العلاقات الدولية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق