تشهد الساحة اليمنية تطورًا بالغ الخطورة، إذ تشير المعطيات إلى أن القوى العسكرية المنضوية في المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، والمدعومة بشكل مباشر من الإمارات، فرضت سيطرة واسعة على معظم مناطق جنوب اليمن. ويكشف هذا التحرك عن نوايا سياسية تتجاوز السيطرة الميدانية، إذ يعيد فتح الباب أمام سيناريو التقسيم والعودة إلى صيغة الدولتين قبل وحدة 1990، وهو السيناريو الذي لطالما سعت أبوظبي إلى هندسة ظروفه على الأرض. وتدفق نحو عشرة آلاف مقاتل من قوات الانتقالي إلى محافظتي حضرموت الغنية بالنفط والمهرة المحاذية لعُمان، حيث لم يكن للمجلس نفوذ حقيقي سابقًا، ما يعكس طبيعة المشروع الذي يتحرك بخطوات محسوبة.
ويؤكد هذا التطور أن المجلس الانتقالي الانفصالي أصبح يهيمن الآن على المحافظات الثماني التي شكّلت سابقًا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وقد حاولت سلطنة عُمان بدايةً منع تمدد المجلس من خلال إغلاق الحدود والمطالبة بإزالة رايات الجنوب الانفصالية، لكنها تراجعت لاحقًا تحت ضغط الوقائع الميدانية. ويعكس ذلك إدراكًا عمانيًا بأن دينامية المشهد تتسارع في اتجاه لا تتحكم به الدول الإقليمية التي لطالما تعاملت مع اليمن باعتباره مجالًا نفوذًا مباشرًا.
مأزق سعودي وتوتر إماراتي
بحسب تقرير “الجارديان”، تبدو هذه التحركات بمثابة ضربة قاسية للسياسة السعودية في اليمن، إذ فوجئت الرياض بأن نفوذها داخل الحكومة المعترف بها دوليًا يتراجع بسرعة أمام القوة العسكرية التي بنتها الإمارات على مدى سنوات. وقد انسحب الجيش السعودي من مواقع حساسة في عدن، بينها القصر الرئاسي والمطار، الأمر الذي ترك القوات المحسوبة على الحكومة في حالة انهيار فعلي أمام تمدد الانتقالي. وتؤكد التطورات أن التحالف الهش بين حزب الإصلاح المقرّب من السعودية والمجلس الانتقالي انهار بالكامل، ما خلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا يصبّ في مصلحة المشاريع الانفصالية.
وتحمل هذه اللحظة بذور صدام دبلوماسي محتمل بين الرياض وأبوظبي، لا سيما أن أبوظبي استثمرت مبكرًا في بناء مليشيات محلية تخدم رؤيتها للجنوب، بينما ظلّت السعودية منهمكة في حروب مفتوحة وتفاهمات متقلّبة. وتخشى الرياض اليوم أن يؤدي الانفصال بحكم الأمر الواقع إلى تهديد أمن حدودها الجنوبية، في ضوء تاريخ الهجمات العابرة للحدود التي شنّها الحوثيون، ما يجعل المملكة تواجه تبعات خياراتها السابقة من دون امتلاك أدوات فعالة للرد.
شرعية مأزومة وسلطة موازية
في موازاة ذلك، حاول رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي المقيم في الرياض، استعادة زمام المبادرة عبر لقاء دبلوماسيين غربيين من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، محذّرًا من أن خطوات الانتقالي “تزعزع الدولة وتخلق واقعًا موازيًا”. غير أن هذا التحذير لم يلق صدى يُذكر أمام تمدد قوات عيدروس الزبيدي، التي استولت أيضًا على شركة “بترو مسيلة”، أكبر شركة نفطية في اليمن، لتتكامل صورة “السلطة البديلة” التي تبنيها أبوظبي تدريجيًا في الجنوب.
وتشير التحليلات إلى أن المجلس الانتقالي قد يحاول تقديم صيغة “حماية سياسية” لمحافظات مثل تعز ومأرب الخارجة عن سيطرة الحوثيين، في محاولة لإضفاء شرعية على نفوذه وربط المحافظات غير الحوثية بمشروعه الانفصالي. غير أن إعلانًا سريعًا للانفصال يبدو خيارًا محفوفًا بالمخاطر، ليس فقط بسبب التجارب الفاشلة عالمياً—مثل الصحراء الغربية—بل أيضًا بسبب هشاشة البنية السياسية في الجنوب نفسه. لذلك يَرجّح أن يسعى المجلس إلى الدفع باتجاه استفتاء شعبي في مرحلة لاحقة، يمنحه واجهة قانونية لمشروعه.
بصمات أبوظبي وحسابات واشنطن
وتشير تقارير إلى أن الإمارات منحت الضوء الأخضر لهذه الخطوة رداً على غضبها من توجه السعودية نحو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبحث مسار الحرب في السودان، وهو ما رأته أبوظبي تجاوزًا لنفوذها في ملفات إقليمية متعددة. وفي هذه الأثناء، لا تزال بعثة سعودية موجودة في حضرموت تحت ضغط متزايد لإعادة ضبط المشهد أو الحدّ من الانزلاق نحو التقسيم.
وبالتوازي مع ذلك، يجري دبلوماسيون غربيون اتصالات مع عيدروس الزبيدي لفهم توجهاته الجديدة، وللتأكد من طبيعة علاقاته مع روسيا التي تُتهم أبوظبي بتسهيل تمددها في البحر العربي. ولم يصدر حتى الآن بيان غربي رسمي، لكن الاهتمام المتزايد يعكس خطورة التحول الجاري على الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.
منعطف جديد في الصراع
ترى ميّسة شجاع الدين، الباحثة البارزة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن ما يجري يمثل أهم تحول منذ عام 2015، وأنه يحمل القدرة على تفجير شبكة التحالفات الإقليمية بأكملها. وتشير إلى أن السعودية تخشى الآن انعكاسات أمنية مباشرة، خصوصًا أن الجنوب المنفصل—إن تحقق—قد يتحول إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح، فيما تبقى قوى الداخل اليمني، شمالًا وجنوبًا، عاجزة عن بناء نموذج حكم مستقر.
وتؤكد هذه التطورات أن تحويل الجنوب إلى كيان موازٍ لا يخدم وحدة اليمن ولا استقراره، بل يعمق الانقسام ويفتح الباب لتدويل الصراع وتحويله إلى ساحة صراع بالوكالة. وفي محصلة المشهد، يصبح اليمن مجددًا ضحية مشاريع النفوذ الخارجية، بينما تتراجع فرص الدولة الواحدة وسيادة القرار الوطني لصالح ترتيبات إقليمية لا تهتم إلا بمصالح القوى التي تصنعها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق