أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

د. سيد غنيم: هذه تكتيكات القتال الإسرائيلية والأمريكية خلال الضربات الأولى على إيران.. والدروس المستفادة


مكنت الضربات التي قامت بها المقاتلات والطائرات المساندة الأمريكية والإسرائيلية، فضلاً عن كميات المتفجرات والحرص على إلقائها طيلة 24 ساعة يومياً بلا توقف، من تحقيق عنصر المفاجأة في الهجوم، حيث إن الخطة قضت بمنع القوات الإيرانية من التقاط الأنفاس. الخطة الأمريكية الإسرائيلية بُنيت على متابعة الاستعدادات الإيرانية لهذه الحرب، والتي ظهر منها أن طهران أجرت دراسات معمقة لحرب الـ12 يوماً في يونيو الماضي، وأبدت قدرات كبيرة على تعلم الدروس العسكرية والاستعداد للحرب القادمة.

تجنيد مئات الجنود من جيش الاحتياط، الذين عملوا جنباً إلى جنب مع القيادة المركزية في الشرق الأوسط، طيلة الشهور الـ6 الماضية على مضاعفة المخزون في بنك الأهداف في إيران، وجمع ما يلزم من معلومات عن كل هدف لإصابته بدقة. 


الملفت أن القوات الإيرانية على الأرض كانت جاهزة للمقاومة، فالطائرات الحربية الإيرانية، رغم أنها قديمة، تجرأت على الطيران وحاولت القتال، وهو ما اعترف به سلاح الجو الإسرائيلي نفسه طبقًا لمصادرنا. ولكن مع فارق القدرات النوعية والعددية أمام أعدائها لم تستطع الصمود لفترة طويلة أمام ماكينة الحرب الضخمة للمقاتلات الأميركية التي قادها طيارون إسرائيليون وأمريكيون.

ما جعل اعتماد الإيرانيين في التخطيط الأساسي على القدرات الصاروخية الهجومية. فقد أعد الإيرانيون جرافات ضخمة بالقرب من كل قواعد إطلاق للصواريخ الباليستية، علماً بأن هناك ألف قاعدة كهذه. فكلما دمرت الطائرات الإسرائيلية والأمريكية إحداها، كان الإيرانيون يدخلون فوراً الجرافات لتبدأ عملية إزالة الركام وإعادة البناء والتصليح، في مزيج من الإصرار الدائم والتنسيق والتجهيز المسبق.

تخيل أن قائد القاعدة الجوية الإسرائيلية في الشمال "رامات ديفيد" شارك بنفسه في الطيران إلى إيران؟ وقد قصفت أسرابه من طائرات القتال هذه الجرافات الإيرانية على الفور في محاولات لا تتوقف لشل حركتها.

وهنا يظهر دور الدعم الأمريكي، حيث قرر الأمريكيون العمل طيلة 24 ساعة، ولكي يصبح ذلك ممكناً فكان لا بد من إرسال الطيار نفسه 3 مرات إلى إيران، أي بمعدل 3 طيارين للطائرة، وهو معدل تنفيذ يعتبر الأعلى على الإطلاق لطيارين المقاتلات الامريكيين، لدرجة إنه أمروا الطيارين باستخدام حبة الدواء "مودافينيل" التي تؤدي إلى اليقظة العالية رغم قلة النوم، وتساعد على الحفاظ على الانتباه لفترات طويلة، حتى بعد النشاط 24 ساعة. وتم تبرير هذا التصرف بأنه ضرورة لا غنى عنها؛ لأن الطيار بحاجة إلى تركيز شديد، والإرهاق يظل أكبر التحديات أمام الطيارين خاصة مع طائرات ذات قدرات مناورة عالية جدًا.

الدروس المستفادة في رأيي:

المدافع (إيران):

1. أهمية التفوق في الدفاع الجوي الإيراني متعدد الارتفاعات والمناطق: فلو امتلكت إيران منظومة دفاع جوي حديثة ومتكاملة بكثافة كافية، لكانت الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية تعرضت لخسائر أكبر بكثير، خصوصاً مع ضغط الطلعات الجوية المتواصل واستنزاف الطيارين.

2. الانتشار الواسع للأهداف الحساسة يقلل من تأثير الضربات الجوية: فوجود مئات أو آلاف مواقع إطلاق الصواريخ يجعل من الصعب تحييدها بالكامل، حتى مع التفوق الجوي المطلق.

3. المرونة اللوجستية والبدائل الميدانية عنصر حاسم في الصمود: فقد أظهر الإيرانيون قدرة على التعويض السريع للأضرار عبر تجهيز معدات إصلاح ثقيلة قرب مواقع الإطلاق، ما يعكس تخطيطاً مسبقاً لحرب استنزاف طويلة.

4. القدرات الصاروخية كبديل عن التفوق الجوي: إذ يتضح أن الدول التي لا تملك قوة جوية قادرة على مواجهة خصم متفوق تعتمد على الصواريخ الباليستية كأداة الردع والضرب الاستراتيجي.

المهاجم (الولايات المتحدة - إسرائيل):

5. الأيام الأولى من الحرب هي الأكثر حسماً: حيث يسعى الطرف المهاجم إلى تدمير أكبر قدر ممكن من القدرات الاستراتيجية للخصم قبل أن يتمكن من تفعيل كامل منظومته الدفاعية والهجومية.

6. الحفاظ على وتيرة العمليات الجوية العالية (High Tempo Operations) يمثل عاملاً حاسماً في الأيام الأولى للحرب: إذ إن القصف المتواصل على مدار 24 ساعة يمنع الخصم من إعادة التنظيم أو إصلاح الأضرار أو إعادة نشر قواته.

7. أهمية بنك الأهداف الاستخباراتي العميق: فنجاح الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأولية كان نتيجة أشهر طويلة من جمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة عن الأهداف، ما يبرز أن الحرب الجوية الحديثة تُحسم بدرجة كبيرة قبل اندلاعها عبر العمل الاستخباراتي.

8. استهداف قدرات التعافي وإعادة البناء لدى الخصم لا يقل أهمية عن استهداف الأهداف العسكرية نفسها: إذ إن ضرب الجرافات ومعدات الإصلاح الإيرانية يعكس فهماً عميقاً لعقيدة الخصم القائمة على إعادة تشغيل منصات الإطلاق بسرعة.

9. أهمية العنصر البشري وإدارة الإرهاق في العمليات الجوية الطويلة: فالاعتماد على الطيار نفسه في عدة طلعات يومياً واستخدام أدوية اليقظة يوضح أن القدرة البشرية قد تصبح عنق الزجاجة في الحروب الجوية الممتدة.

10. الدور الحاسم للتكامل العملياتي بين الحلفاء: فالتنسيق الأمريكي الإسرائيلي في القيادة والسيطرة والعمليات الجوية والدعم اللوجستي يوضح أن الحروب الحديثة تُدار غالباً عبر شبكات تحالف وليس بواسطة دولة واحدة.

ومما سبق، أتصور أن هذه الدروس المستخلصة تعكس بوضوح أن الصراع يعتبر مواجهة بين استراتيجيتين عسكريتين مختلفتين:

- استراتيجية التفوق الجوي والضربات الدقيقة.
- مقابل استراتيجية الصمود الصاروخي والقدرة السريعة على التعافي.

د. سيد غنيم Sayed Ghoneim زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية ورئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.