هذا هو السؤال الذي حاولت الصحافية 'فيفيان سلامة' Vivian Salama (أمريكية من أصول مصرية) الإجابة عنه في تحقيق طويل ومفصل نشرته مجلة 'ذا أتلانتك' The Atlantic، كاشفةً تفاصيل جديدة عن زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى تل أبيب في 26 سبتمبر 2023، أي قبل 11 يوماً فقط من "طوفان الأقصى".
في ذلك اليوم، وبينما كان النتنياهو يستعد في القدس لإحياء الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر 1973 (حرب يوم كيبور)، كانت طائرة من طراز Cessna مستأجرة لحساب جهاز المخابرات المصرية تهبط في مطار بن غوريون.
لم تبقَ الطائرة طويلاً؛ 67 دقيقة فقط، وفق سجل لهيئة المطارات الإسرائيلية، قبل أن تعود إلى القاهرة.
كان على متنها عباس كامل، رئيس المخابرات العامة المصرية آنذاك، وأحد أبرز المسؤولين الأمنيين في المنطقة.
وفق مصادر إسرائيلية ومصرية وعربية وأمريكية وأوروبية تحدثت إليها كاتبة المقال، فإن المسؤول المصري الذي نادراً ما كان يسافر إلى إسرائيل، حمل رسالة تحذير قصيرة ومركزة، مفادها أن حماس تتحرك في غزة نحو شيء أكبر من مجرد جولة تصعيد جديدة، وأن نافذة الوقت ضيقة جداً.
ونقلت المجلة الأمريكية عن مسؤول إسرائيلي سابق أُطلع على مضمون الزيارة أن الرسالة المصرية كانت، بمعناها المباشر: "إذا لم تغيّروا المسار، فإن غزة ستنفجر في وجوهكم".
لم يقدم كامل، بحسب الرواية، موعداً للهجوم ولا تفاصيل عملياته. لكنه جاء بنفسه إلى تل أبيب ليقول إن الوضع في غزة بات على حافة الانفجار، وإن احتواءه يتطلب تقديم تنازلات اقتصادية لحماس.
لكن القصة في صورتها الأوسع أكثر تعقيداً من عبارة أن "مصر حذرت إسرائيل".
فبحسب التحقيق، لم يقدم عباس كامل موعداً محدداً للهجوم، ولا هدفاً بعينه، ولا طريقة تنفيذ العملية. كما أن هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين التقاهم لم تُعلن.
والأهم أن مستشار الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك، 'تساحي هنغبي' نفى في سبتمبر 2026 حدوث الزيارة، بينما نفت رئاسة الحكومة الإسرائيلية بعد هجوم 7 أكتوبر أن يكون النتنياهو قد تلقى تحذيراً مصرياً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
فالسؤال ليس فقط ما إذا كانت القاهرة قد حذرت تل أبيب، وإنما ماذا كانت تقول التحذيرات تحديداً، ومن تلقاها داخل المنظومة الإسرائيلية، وكيف جرى تفسيرها.
وهذه النقطة تكتسب وزناً أكبر عندما نضع رحلة عباس كامل داخل سلسلة من السياقات التي سبقت 7 أكتوبر.
ففي الأسابيع الأخيرة من سبتمبر 2023، كانت غزة تشهد تصعيداً على السياج الحدودي، في ظل خلافات حول المساعدات والوقود والتعامل مع الأسرى الفلسطينيين، فيما كانت إسرائيل قد أغلقت معبر "إيريز" (معبر بيت حانون في القاموس الفلسطيني) أمام العمال الفلسطينيين. وكان نحو 18 ألفاً من سكان غزة يحملون تصاريح للعمل في إسرائيل.
تسارع التصعيد بعد منعهم من الوصول إلى أعمالهم. وفي 26 سبتمبر، وهو اليوم نفسه الذي وصلت فيه طائرة عباس كامل إلى إسرائيل، نقلت صحيفة 'رأي اليوم' الإلكترونية (مقرها لندن ويرأس تحريرها عبد الباري عطوان) عن مصادر فلسطينية أن حماس أبلغت الجانب المصري بأن غزة "ستنفجر" بسبب إغلاق المعبر.
وفي 27 سبتمبر، غادر 'تور وينسلاند' منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، غزة محذراً علناً من أن الوضع داخل القطاع "بالغ السوء" وأنه يجب تجنب صراع جديد ستكون له "عواقب وخيمة على الجميع".
وفي اليوم التالي (28 سبتمبر) أعيد فتح المعبر وبدأ العمال الفلسطينيون في العودة إلى إسرائيل.
لكن ما بدا، في نظر الوسطاء، نجاحاً مؤقتاً في خفض التوتر كان مختلفاً عما يجري داخل أنفاق غزة.
فبحسب الرواية التي جمعتها The Atlantic من مسؤولين ومفاوضين، كانت حماس تستخدم المفاوضات المتعلقة بالوقود وتصاريح العمل وتهدئة الحدود لكسب الوقت بينما تواصل التحضير لعمليتها "المزلزلة" كما وصفها زعيمها الراحل يحيى السنوار.
إذ تشير الوثائق التي عثرت عليها إسرائيل في غزة لاحقا، وفق التحقيق، إلى أن قيادة حماس بدأت التخطيط للعملية الكبرى بعد حرب 2021، وأن مذكرة تعود إلى أغسطس 2022، نُسبت إلى السنوار، تضمنت أجزاء كبيرة من الخطة التي نُفذت في 7 أكتوبر 2023.
وهذه ليست مجرد رواية صحفية. ففي فبراير 2025، خلص تحقيق الجيش الإسرائيلي في أحداث 7 أكتوبر إلى أن المؤسسة العسكرية قللت بشدة من قدرات حماس ونواياها، واستقرت لسنوات على الاعتقاد بأن الحركة غير راغبة في حرب شاملة، وأن تحسين الظروف الاقتصادية في غزة يمكن أن يقلل دافعها إلى القتال.
ووفق ملخص التحقيق الذي نقلته 'رويترز'، أدى هذا التصور إلى "ضعف الاستعداد لدى قيادة الجيش الإسرائيلي وعدم توقع الهجوم".
وفي 28 سبتمبر 2023، صدر تقرير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) عن احتمال إطلاق حماس صواريخ على إسرائيل على مدى عدة أيام. وأعقبه تقرير آخر في 5 أكتوبر أكثر تحليلاً، من دون أن يصل إلى توقع هجوم حماس "متعدد المحاور" الذي وقع بعد ذلك بيومين.
وفي 5 أكتوبر نفسه، أي قبل الهجوم بيومين، نقلت The Atlantic عن مسؤولين أمريكيين ومصريين وإسرائيليين أن القاهرة كررت لإسرائيل مخاوفها من أن الوضع أصبح غير قابل للاستمرار، من دون تحديد موعد أو أسلوب للعملية.
كما تحدثت مصادر عربية عن نقل الأردن مخاوف مماثلة إلى الجانب الإسرائيلي.
وفي بداية الشهر الحالي، عادت قضية اتصال الرئيس الإماراتي محمد بن زايد بنتنياهو قبل 7 أكتوبر إلى الواجهة بعد تحقيق نشرته صحيفة 'هآرتس' عن تحذير بن زايد للنتنياهو، قبل نحو عشرة أيام من الهجوم.
ونقلت وكالة Associated Press عن مصادرها أن "الاتصال استمر نحو 45 دقيقة". لكن مكتب النتنياهو وصف الرواية بأنها غير صحيحة، كما لم تقدم الإمارات تأكيداً علنياً لمضمون المحادثة.
وبالأمس فقط (25 سبتمبر)، نشرت صحيفة 'نيويورك تايمز' تفاصيل جديدة حول "محادثة" في بداية شهر أكتوبر 2023، تلقى خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي "تحذيراً صريحاً" بشأن هجوم محتمل من حماس.
ونقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤولين إسرائيليين سابقين رفيعي المستوى أن التحذير الذي وصل إلى النتنياهو من رئيس الإمارات محمد بن زايد تضمن "معلومات غير محددة" - ولم يُنقل إلى رؤساء المؤسسة الأمنية. كما زعم مصدر تحدث مع بن زايد - وشخص آخر زعم أنه تلقى إحاطة من مصدر كان حاضراً في المحادثة - أن "الزعيم الإماراتي أشار إلى أن حماس كانت تدرس تنفيذ هجوم كبير".
وفي 23 سبتمبر الجاري، أضاف تقرير لصحيفة 'تايمز أوف إسرائيل' رواية أخرى، مفادها أن أجهزة إماراتية كانت قد نقلت إلى جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" Shin Bet تحذيراً من تحرك عنيف محتمل لحماس في سبتمبر 2023، وأن هذا التحذير كان من بين المعطيات التي سبقت الاتصال المزعوم بين بن زايد والنتنياهو.
أما المعلومة الأمريكية الأكثر وضوحاً، فجاءت في 11 أكتوبر 2023، حين قال 'مايكل ماكول' Michael McCaul رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس آنذاك، عقب إحاطة استخباراتية مغلقة للنواب: "نعلم أن مصر حذرت الإسرائيليين قبل ثلاثة أيام من أن شيئاً من هذا القبيل يمكن أن يحدث"، ثم أضاف متسائلاً: "لكن المهم على أي مستوى نوقش التحذير".
لكن حتى تلك الشهادة لا تحسم السؤال المركزي: من تلقى التحذير؟ وهل فهمه بوصفه إنذاراً بهجوم استراتيجي أم تحذيراً جديداً من جولة تصعيد أخرى؟
في فبراير 2025، قال التحقيق الداخلي الرسمي لجيش الاحتلال إن إسرائيل اعتقدت طويلاً أن حماس "مردوعة" وأن تل آبيب قادرة على قراءة المؤشرات إذا تغيرت نيتها.
كما أظهرت تحقيقات أخرى أن مؤشرات ميدانية واستخباراتية أكثر تحديداً ظهرت قبيل الهجوم ولم تُقرأ باعتبارها مقدمة لعملية واسعة.
وهنا يصبح توقيت زيارة عباس كامل لافتاً في اليوم ذاته الذي كان النتنياهو يذكّر الإسرائيليين بالدروس المستفادة من حرب 1973، وأولها الوقوع في شرك "خداع العدو".
* أستاذ بحوث الإعلام

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق