أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

عن الزيارة السرية إلى الإمارات: لماذا طلب نتنياهو من حليفه تكذيب التحذيرات المسبقة؟ وكيف أوقع أبوظبي في ورطة؟

* هاني الكنيسي

رغم تجاهل وكالة الأنباء الرسمية الإماراتية (وام) للخبر تمامًا حتى اللحظة، فقد أكدت وكالة 'أسوشييتد برس' أن النتنياهو قام بالفعل -أمس الأح-د برحلة غير معلنة إلى الإمارات استمرت نحو ست ساعات، التقى خلالها رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. 

ووفقًا لمصدر وصفته الوكالة الأمريكية بأنه "مطّلع مباشرة على مضمون اللقاء"، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي طلب من بن زايد "إصدار نفي رسمي" للتقارير التي تزعم أن الرئيس الإماراتي حذّره قبل 7 أكتوبر 2023 من هجوم كبير تخطط له حماس. وكانت "قناة 12" الإسرائيلية أول من أفشى خبر الزيارة السرية المباغتة، موضحةً أن النتنياهو أقلع بطائرة خاصة صباح الأحد إلى أبوظبي وعاد في اليوم نفسه، فيما رفض مكتب رئيس الوزراء تقديم أي تفاصيل عن مضمون المحادثات.

المفارقة أن الخارجية الإماراتية امتنعت هذه المرة عن نفي الرواية بشكل مباشر، واكتفت بتكرار "صيغة فضفاضة" تقول إن أبوظبي تحافظ على "قنوات اتصال مفتوحة ومباشرة" مع إسرائيل، وإنها تشارك معها "كل المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة عند الضرورة"، وهي العبارة نفسها تقريبًا التي استخدمتها في ردها الأول عندما انفجرت القضية قبل ثلاثة أسابيع، بفضل تحقيق خاص لصحيفة 'هآرتس'. 

وكانت الصحيفة العبرية نشرت تقريرًا للصحافيين 'شلومي إلدَر' و'روث يوفال' في 8 سبتمبر الماضي، بمناسبة صدور كتابهما الجديد، زعما فيه أن محمد بن زايد اتصل بنتنياهو قبل نحو عشرة أيام من هجوم 7 أكتوبر، وحذّره من أن يحيى السنوار يستعد لعملية كبيرة. 

وعلى الفور، وصف مكتب النتنياهو الرواية بأنها "كذبة صارخة"، مؤكدًا أن رئيس الوزراء لم يتحدث مع الرئيس الإماراتي في تلك الفترة ولم يتلقَّ منه أي تحذير.


في الأيام التالية، توسعت دائرة الجدل وتعززت الاتهامات للنتنياهو بتجاهل تحذيرات سبقت "طوفان الأقصى"، عندما كشفت الكاتبة 'سمادار بيري' في صحيفة 'يديعوت أحرونوت' أن مصر أيضًا حذّرت إسرائيل من "شيء رهيب" قبل وقت قصير من الهجوم. 

ثم تلا ذلك سلسلة تحقيقات في كبرى الصحف الأمريكية، أضافت طبقات جديدة من التفاصيل للرواية ذاتها. 

تقرير 'نيويورك تايمز' يوم الجمعة الماضي أفاد بأن محمد بن زايد حذّر النتنياهو في أواخر سبتمبر 2023 من أن "حماس تدرس تنفيذ هجوم كبير"، وكشف أن الرئيس الإماراتي أشار لاحقًا إلى تلك المحادثة في لقاء مباشر مع 'وليام بيرنز' مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA آنذاك. 

وقالت الصحيفة الأمريكية نصًا إن النتنياهو "لم يذكر هذا التحذير خلال اجتماع أمني حساس عُقد في الأول من أكتوبر"، ناقش فيه المسؤولون الوضع في غزة وإمكانية تنفيذ ضربة استباقية ضد قيادات حماس. ووفقًا لمحضر الاجتماع الذي استندت إليه الصحيفة، عارض النتنياهو اتخاذ إجراء في غزة خشية أن يؤدي إلى تصعيد يضرّ بجهود التطبيع مع السعودية. ونقلت 'نيويورك تايمز' عن "خمسة مسؤولين إسرائيليين سابقين" أن التحذير الإماراتي المزعوم لم يظهر في التحقيقات الداخلية التي شاركوا فيها، ولم يصل بالمرة إلى رؤساء الأجهزة الأمنية.

وبعدها، أضافت مجلة 'ذي أتلانتك' The Atlantic عنصرًا مثيرًا للمشهد، عندما  كشفت محررتها المصرية الأصل 'فيفيان سلامة' أن مدير المخابرات المصرية السابق 'عباس كامل' قام بزيارة سرية خاطفة إلى إسرائيل في 26 سبتمبر 2023، قبل 11 يومًا من الهجوم، وأن طائرته لم تمكث في مطار بن غوريون سوى 67 دقيقة، وفق سجلات الطيران الإسرائيلي وبيانات أخرى. لكن الأهم في التحقيق زعمه بأن كامل حمل رسالة تحذير للمسؤولين الإسرائيليين من أن حماس تحشد لهجوم غير مسبوق، وإن كان لا يعرف توقيته أو كيفيته، وحثهم على تخفيف الضغط الاقتصادي عن غزة وتقديم تنازلات اقتصادية لحماس لتجنب المواجهة. 

ومرة أخرى استمات مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في "تكذيب" الرواية، نافيا أي اتصالات بين النتنياهو والجانب المصري قبل هجمات 7 أكتوبر. 

إلا أن صحيفة 'وول ستريت جورنال' دخلت على الخط لتعزز رواية 'فيفيان'، فنقلت أمس عن "مصادر رسمية في حكومة عربية" أن رئيس الاستخبارات المصرية آنذاك عباس كامل اتصل شخصيًا بنتنياهو في أوائل أكتوبر 2023، ليبلغه بـ"قلق عميق" من هجوم وشيك من غزة، بعد تحذيرين مصريين سابقين "لم يؤديا إلى أي تحرك". وبحسب التقرير، واصلت القاهرة إرسال تحذيرات حتى نحو 48 ساعة قبل الهجوم، وإن كانت لا تتضمن تفاصيل دقيقة عن توقيت أو حجم العملية. 

وهذه المرة، لم يرد مكتب النتنياهو على طلب 'وول ستريت جورنال' التعليق على صحة تلك المكالمة، كما لم تعلق الخارجيتان المصرية والإماراتية على استفسارات الصحيفة الأمريكية بشأن الموضوع. 

وبغض النظر عن مدى دقة تلك الروايات المتواترة عن التحذيرات المسبقة قبل الطوفان -إمارتيةً كانت أم مصرية، وفي روايات أخرى أردني، بل ومن قنوات سرية داخلية مصدرها جهاز الأمن العام "الشاباك" بحسب مزاعم وزير "الدفاع" السابق 'يوآاف غالنت' التي نشرها في مقابلة مع 'معاريف' أمس- فالمؤكد أن القصة برمتها تأتي في لحظة سياسية بالغة الحساسية بالنسبة للنتنياهو الذي يخوض في 27 أكتوبر المقبل انتخابات عامة يُنظر إليها كاستفتاء على مسؤوليته الشخصية عن إخفاقات 7 أكتوبر 2023 ، ويواجه فيها أخطر تهديد لمسيرته السياسية ولمستقبل حزبه الليكود، وسط استطلاعات تؤكد كل يوم تراجع شعبيته أمام منافسه الرئيسي ' غادي آيزنكوت' الذي لا يكل ولا يمل من المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة عن الحكومة وتشرف عليها المحكمة العليا. 

كما يستثمر خصومه السياسيون كل تفصيل جديد لإعادة فتح ملف الإخفاق، مثل رئيس الأركان السابق 'بيني غانتس' الذي قال في إحدى جلسات الكنيست إن "أي تحذير، مهما كان غامضًا، كان يجب أن يُعامل كإنذار استراتيجي"، بينما وصف رئيس الحكومة السابق 'يائير لابيد' موقف النتنياهو من التحذيرات التي وصلت عبر قنوات متعددة بأنه "محاولة يائسة لمحو آثار الفشل". وحتى داخل الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم، خرج وزير الخارجية 'غدعون ساعر' ليقول إن "الإنكار ليس استراتيجية"، وإن إسرائيل "تحتاج إلى إجابات لا إلى نفي متكرر".

هذه الصورة القاتمة تفسّر استبسال النتنياهو في إيجاد أي مخرج من ورطته، ولو كان عبر "تكذب كاذب" من حليفه الإماراتي الذي يبدو أيضا في مأزق مزدوج؛ بين إنقاذ صديقه والتورط في قلب معركة انتخابية إسرائيلية لا يدري من سيفوز بها وما الذي قد يطاله من أوحالها.

* أستاذ بحوث الإعلام

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.