أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

من المفاجأة إلى الاستنزاف: دراسة مقارنة بين معركة تشانغبينغ وهجوم 7 أكتوبر 2023

إعداد: د. محمد خليل مصلح

تبحث هذه الدراسة أو التحليل الطويل من النافذة التي اخذتها التاريخ البعيد في الاستفادة من التجارب السابقة وظروسها العميقة في العلاقة بين الخداع الاستراتيجي، والمفاجأة العملياتية، واستثمار الاختراق، والقيادة والسيطرة، وحرب الاستنزاف، وتنطلق من مقارنة بين معركة تشانغبينغ الصينية سنة 260 قبل الميلاد، وبين هجوم 7 أكتوبر 2023 وما أعقبه من حرب في غزة.

لا تفترض الدراسة أن الحدثين متماثلان؛ فمعركة تشانغبينغ كانت حملة بين دولتين منظمتين انتهت بتطويق جيش وتدميره، بينما كان هجوم 7 أكتوبر عملية مباغتة نفذتها قوة مسلحة غير دولية ضد دولة متفوقة عسكريًا، ثم تحول إلى حرب طويلة، لذلك تركز المقارنة على الوظائف العسكرية المشتركة: الخداع، إرباك القيادة، استثمار المفاجأة، تثبيت المكاسب، قطع الإمداد، واستثمار الزمن.

تخلص الدراسة إلى أن الفارق الحاسم بين الحالتين لا يكمن في معرفة الخداع أو القدرة على إحداث المفاجأة، بل في القدرة على استثمار نافذة الارتباك. فقد ربطت تشين بين التضليل السياسي، وتغيير قيادة الخصم، والاستدراج، والتطويق، وقطع الإمداد، حتى تدمير القوة المحاصرة.

 أما حماس فنجحت في إحداث مفاجأة واختراق واضطراب أولي، لكنها لم تثبت مكاسبها الميدانية ولم تمنع إسرائيل من إعادة بناء القيادة وتعبئة الاحتياط، فتحول النجاح الافتتاحي إلى حرب استنزاف طويلة.

مقدمة

تطرح الحروب غير المتكافئة سؤالًا مركزيًا: كيف تستطيع قوة أضعف أن تفاجئ خصمًا أقوى، ولماذا لا يتحول الاختراق الأول دائمًا إلى نصر استراتيجي؟


لا تكفي الإجابة بالقول إن الطرف الأضعف يملك الشجاعة أو عنصر المفاجأة، فالمفاجأة نافذة زمنية محدودة، وتحتاج إلى خطة متابعة تضمن تثبيت المكاسب، وتعطيل قدرة الخصم على التعافي، وربط العمل العسكري بهدف سياسي قابل للتحقيق.

تقدم معركة تشانغبينغ نموذجًا تاريخيًا واضحًا لهذه العملية؛ فقد استخدمت تشين الخداع السياسي والمعلومات المضللة لتغيير قيادة تشاو، ثم استغل القائد باي تشي اندفاع القائد الجديد تشاو كو لاستدراج الجيش إلى خارج تحصيناته، وقطع إمداده، وتطويقه، ثم تدميره.

أما هجوم 7 أكتوبر 2023، فقد أظهر قدرة واضحة على التخطيط السري والخداع وأمن العمليات والاختراق متعدد المحاور، غير أن نجاح المرحلة الأولى لم يتحول إلى شلل طويل في القيادة الإسرائيلية أو إلى احتفاظ بمواقع عسكرية داخل إسرائيل، ثم انتقلت المبادرة تدريجيًا إلى الجيش الإسرائيلي بعد التعبئة وإعادة تنظيم القيادة.

أولًا: الإطار النظري

الخداع الاستراتيجي

الخداع الاستراتيجي هو دفع الخصم إلى تكوين صورة خاطئة عن نوايا المهاجم أو قدراته أو توقيت تحركه، ولا يقتصر على إخفاء المعلومات، بل قد يتضمن:

•    نشر رواية مضللة.
•    إظهار نشاط عسكري اعتيادي.
•    إخفاء التحضير الحقيقي.
•    دفع الخصم إلى تفسير الإشارات بطريقة خاطئة.
•    استغلال تحيزات قائمة في قيادة الخصم.

ينجح الخداع عادة عندما لا يخترع اعتقادًا من العدم، بل يستغل فرضية موجودة أصلًا لدى الطرف الآخر.

المفاجأة العملياتية

المفاجأة هي إحداث فعل عسكري في وقت أو مكان أو بطريقة لا يستطيع الخصم الاستجابة لها فورًا، لكنها لا تعني انهيار الخصم؛ فقد يتعرض الخصم لارتباك أولي، ثم يعيد تنظيم قيادته، ويستدعي الاحتياط، ويستعيد المبادرة.

لذلك ينبغي التمييز بين:
•    المفاجأة الأولية.
•    استمرار الارتباك.
•    شل القيادة.
•    منع التعزيزات.
•    استثمار المكسب.

التثبيت والعزل

التثبيت هو منع الخصم من الانسحاب أو إعادة الانتشار أو استدعاء التعزيزات؛ أما العزل فهو قطع الاتصال بين القوة وقاعدتها أو إمداداتها أو قيادتها.
في تشانغبينغ كان التثبيت والعزل جوهر الخطة الصينية؛ أما في هجوم 7 أكتوبر، فقد تحقق اختراق واسع وإرباك أولي، لكنه لم يتحول إلى عزل استراتيجي لإسرائيل.

حرب الاستنزاف

حرب الاستنزاف هي السعي إلى إضعاف الخصم تدريجيًا عبر إطالة القتال ورفع كلفته البشرية والمادية والسياسية، وهي قد تكون مفيدة للطرف الأضعف لأنها تمنعه من الهزيمة السريعة، لكنها لا تضمن النصر ما لم يمتلك:

•    عمقًا لوجستيًا.
•    قدرة على تعويض الخسائر.
•    دعمًا سياسيًا أو إقليميًا.
•    قدرة على الحفاظ على القيادة.
•    هدفًا سياسيًا قابلًا للتحقق.

 

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.