أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

عفو رئاسي إماراتي ينهي محنة الشاعر والمعارض عبدالرحمن يوسف القرضاوي بعد حكم بالسجن عشر سنوات

في خطوة مفاجئة وسريعة، أصدر الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، يوم الجمعة الموافق 4 سبتمبر 2026، عفواً رئاسياً عن الشاعر والناشط المصري التركي عبدالرحمن يوسف القرضاوي، نجل العلامة الراحل يوسف القرضاوي.

جاء العفو بعد أقل من أسبوع على صدور حكم قضائي قاسٍ بحقه بالسجن عشر سنوات وغرامة مئتي ألف درهم، في قضية نظرتها محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية (دائرة الجرائم الإلكترونية).أكدت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية (وام) اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو فوراً، منهية بذلك فترة احتجاز امتدت لأكثر من عام ونصف، بدأت باعتقاله في لبنان وتسليمه قسرياً إلى الإمارات، وانتهت بهذا القرار الرئاسي الذي أعاد الأمل لعائلته ومناصريه الذين تابعوا قضيته بقلق شديد.

صوت حر يواجه تهماً بتكرير الأمن العام

تعود جذور القضية إلى أواخر ديسمبر 2024، حين أوقفت السلطات اللبنانية عبدالرحمن القرضاوي لدى عودته من سوريا عبر معبر المصنع. كان قد زار دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد، وصوّر مقطعاً مصوراً داخل المسجد الأموي تضمن تصريحات انتقد فيها سياسات مصر وبعض الدول الخليجية.

اعتبرت الإمارات هذه التصريحات «أعمالاً من شأنها إثارة وتكدير الأمن العام»، فطلبت توقيفه عبر الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب.في يناير 2025، سلمته السلطات اللبنانية إلى الإمارات. ومنذ ذلك الحين، واجه القرضاوي اتهامات تتعلق بجرائم إلكترونية، وسط اتهامات من منظمات حقوقية بأن احتجازه ارتبط أساساً بممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير.
دعت منظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى مراراً إلى الإفراج عنه، معتبرة قضيته نموذجاً لمدى التضييق على الأصوات المعارضة في المنطقة، خاصة أبناء الشخصيات ذات الوزن الرمزي مثل والده الراحل الذي كان له حضور واسع في الأوساط الإسلامية.
صدر الحكم في 27 أغسطس 2026 بالسجن عشر سنوات والغرامة، في قرار اعتبره كثير من المتابعين مبالغاً فيه ومرتبطاً بخلفية سياسية أكثر مما هو قانوني بحت. لم تكشف السلطات الإماراتية تفاصيل وافية عن «الجرائم المسندة إليه» في بيان العفو، الأمر الذي زاد من الغموض المحيط بالقضية منذ بدايتها.

بين السلطة القضائية والعفو الرئاسي

يأتي العفو الرئاسي ليضع حداً عملياً للعقوبة بعد أيام قليلة فقط من صدورها، وهو أمر يستحق التأمل. في النظام الإماراتي، يُعد العفو الرئاسي صلاحية دستورية تسمح بتخفيف أو إلغاء العقوبة دون أن يعني بالضرورة البراءة. غير أن سرعة القرار، بعد حكم شديد، تثير تساؤلات حول الدوافع.
من جهة، قد يُقرأ العفو على أنه محاولة لتخفيف الضغط الدولي والحقوقي الذي رافق القضية منذ التسليم القسري من لبنان، خاصة مع اتهامات بالإخفاء القسري في مراحل سابقة من الاحتجاز. ومن جهة أخرى، يعكس القرار قدرة السلطة التنفيذية على التدخل السريع في قضايا ذات حساسية سياسية، بعد أن سارت الإجراءات القضائية مسارها.بالنسبة لعبدالرحمن يوسف القرضاوي، يمثل هذا العفو نهاية فصل مرير من المعاناة. 
الشاعر الذي عرف بقصائده المعارضة وشجاعته في التعبير عن رأيه، دفع ثمناً باهظاً لمجرد كلمات قالها في لحظة تاريخية فارقة. لم يكن ينتمي إلى تنظيم مسلح، ولم يدعُ إلى العنف؛ كان صوتاً يعبر عن رفضه لسياسات يراها ظالمة، مستخدماً أدوات العصر الرقمية. احتجازه ومحاكمته أثارا غضباً واسعاً بين أوساط المعارضين والمثقفين العرب الذين رأوا فيه رمزاً لحرية الكلمة المهددة.

التضامن مع عبدالرحمن يوسف القرضاوي: صوت لا يُسكت

يحق لعبدالرحمن يوسف القرضاوي، ولعائلته، أن يشعرا ببعض الارتياح بعد هذا العفو. فالإنسان الذي قضى شهوراً طويلة بعيداً عن أحبائه، محروماً في مراحل من التواصل الحر، يستحق أن يستعيد حريته وكرامته. تضامننا معه ليس مجرد موقف عاطفي، بل دفاع عن مبدأ أساسي: أن الكلمة المسؤولة، حتى لو كانت نقدية، لا ينبغي أن تتحول إلى جريمة تستوجب عقداً من السجن.
القضية تذكرنا بأن الشعراء والمعارضين والمثقفين غالباً ما يكونون أول من يدفع ثمن التعبير الحر. عبدالرحمن لم يختر الصمت، واختار أن يتحدث، فواجه آلة قانونية قاسية. العفو الرئاسي يعيد إليه حريته الجسدية، لكنه لا يمحو تماماً الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها المحنة.
كما أنه لا يلغي الحاجة إلى نقاش أوسع حول حدود حرية التعبير في المنطقة، ومدى استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية كأداة لتقييد الأصوات الناقدة.
في الختام، نؤكد أن الإفراج عن عبدالرحمن يوسف القرضاوي خطوة إيجابية، لكنها تظل جزءاً من مشهد أكبر يتطلب احترام الحقوق الأساسية. نتمنى للشاعر والمعارض أن يستعيد حياته بحرية وكرامة، وأن يجد في هذا العفو بداية جديدة تمكنه من مواصلة رسالته الشعرية والفكرية دون خوف. فالأوطان تزدهر عندما تسمح لأصوات أبنائها أن تُسمع، لا عندما تسجنها.

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.