أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

إذا كان نتنياهو هو المذنب عندهم… فمن المسؤول عندنا؟

* د. أسعد العويوي

لفتني في صحيفة «القدس» مقال جيرشون باسكين، وما يطرحه حول دور القيادة الإسرائيلية في استمرار الصراع والمآسي التي دفع ثمنها الإسرائيليون والفلسطينيون. واستوقفني أن السؤال الذي يطرحه من داخل المجتمع الإسرائيلي يمكن أن يقودنا إلى سؤال فلسطيني موازٍ:

إذا كان نتنياهو هو المذنب عندهم، فمن المسؤول عما وصلنا إليه نحن؟

لا أطرح هذا السؤال لأساوي بين الاحتلال والواقع الفلسطيني الداخلي، ولا لأمنح الاحتلال أي مخرج من تبعات سياساته. فإسرائيل قوة قائمة بالاحتلال، وسياساتها في غزة والضفة والقدس خلفت دمارًا واسعًا، فيما يستمر الاستيطان والتهجير وعنف المستوطنين ومصادرة الأراضي.

وفي غزة، يجب أن تبقى الحقيقة واضحة: إسرائيل هي التي شنت الحرب وما رافقها من عمليات عسكرية واسعة ودمار ونزوح ومأساة إنسانية. لكن وضوح هذه الحقيقة لا يلغي حق الفلسطيني في مساءلة قياداته وفصائله عن قراراتها.

وهنا تحديدًا يجب أن نسأل: من اتخذ قرار السابع من أكتوبر؟ وعلى أي تقدير سياسي بُني؟ وهل كانت هناك قراءة واقعية لما يمكن أن يترتب عليه؟ ومن يراجع اليوم نتائج ذلك القرار؟

هذه ليست محاولة لتبرير الحرب الإسرائيلية، ولا لتحميل الفلسطينيين مسؤولية ما فعلته إسرائيل، بل لمطالبة أصحاب القرار بمراجعة قراراتهم عندما تكون كلفتها على الشعب بهذا الحجم.

وفي الضفة والقدس، إلى جانب مواجهة الاحتلال والاستيطان والتهجير، هناك أسئلة فلسطينية أخرى لا يجوز تأجيلها: لماذا استمر الانقسام؟ لماذا تأخر تجديد المؤسسات والشرعيات؟ ولماذا بقيت إدارة الشأن العام أسيرة المحاصصة بدل الكفاءة والقانون؟


القوى التي شاركت في إدارة غزة مطالبة بالمساهمة في وضعها ضمن إطار وطني جامع، والقيادة الرسمية مطالبة بتوسيع الشراكة وإصلاح المؤسسات وتجديد الشرعيات، وبقية الفصائل مطالبة بأن تكون جزءًا فاعلًا من الحل.

هذه ليست مساواة بين الأطراف، بل وضع كل طرف أمام الجزء الذي يخصه من المشهد: ماذا قرر؟ ماذا أخطأ في تقديره؟ وماذا سيفعل لتصحيح المسار؟

ولهذا لا أبحث عن «نتنياهو فلسطيني». أبحث عن إجابة فلسطينية للسؤال نفسه: ماذا فعلتم بنا؟ وماذا ستفعلون غدًا؟

وأين المجتمع الدولي؟

المشكلة لا تقف عند الاحتلال أو الداخل الفلسطيني. فمنذ سنوات، نسمع بيانات الإدانة ونرى القرارات الدولية، بينما يستمر الاستيطان والتهجير والاعتداءات، وتبقى الفجوة كبيرة بين ما يقوله المجتمع الدولي وما يفعله.

وفي غزة، لا تكفي بيانات القلق عندما تكون حياة المدنيين وممتلكاتهم وأعيانهم المدنية معرضة لهذا المستوى من الدمار.

إذا كان القانون الدولي يحدد ما هو غير قانوني، وإذا كانت الانتهاكات موثقة، فمتى تنتقل الدول والمؤسسات الدولية من الإدانة إلى إجراءات عملية ومحاسبة فعالة؟

إذن، الصورة واضحة: احتلال يجب أن يتوقف، وبيت فلسطيني يحتاج إلى إصلاح، ومجتمع دولي مطالب بتحويل القانون من نصوص وبيانات إلى فعل.

من النقد إلى الفعل

لكن النقد وحده لا يبني وطنًا. المطلوب إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة الوطنية، وتجديد الشرعيات عبر انتخابات نزيهة عندما تسمح الظروف، وبناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والقانون لا المحاصصة.

ومن هنا، أتمنى ألا نضيّع الفرصة التي تتيحها القاهرة لإنهاء الانقسام. فالمرحلة لا تحتمل بيانات جديدة، بل تحتاج إلى خطوات عملية يمكن تنفيذها وقياسها.

المطلوب من جميع القوى الفلسطينية الاتفاق أولًا على إعلان سياسي واضح بإنهاء الانقسام والالتزام بوحدة القرار الوطني، ثم تشكيل لجنة وطنية مشتركة، تضم القوى الرئيسية ومستقلين، تكون مهمتها متابعة التنفيذ ورفع تقارير دورية للرأي العام.

وفي المرحلة الأولى، ينبغي التركيز على الملفات الأكثر إلحاحًا: توحيد الإدارة والخدمات في غزة والضفة، تسهيل إعادة الإعمار، معالجة أوضاع الموظفين، وحماية المؤسسات العامة من التجاذبات الفصائلية.

وبالتوازي، يتم الاتفاق على خارطة طريق واقعية لتجديد الشرعيات والتحضير للانتخابات، بينما تُترك الملفات الأكثر تعقيدًا لمسار وطني تدريجي يقوم على التوافق والقانون، حتى لا تتحول الخلافات حولها إلى سبب لتعطيل كل شيء.

كما نحتاج إلى رؤية وطنية مختصرة وواضحة للمرحلة المقبلة: حماية القدس والضفة، إعادة إعمار غزة، تعزيز صمود المواطنين، توحيد التمثيل السياسي، والتحرك دوليًا على أساس أهداف فلسطينية متفق عليها.

نريد من القاهرة هذه المرة قرارًا قابلًا للتنفيذ، وجدولًا زمنيًا، وجهة مسؤولة عن المتابعة. نريد قرارًا يبدأ تنفيذه، لا اتفاقًا ينتظر التنفيذ.

لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمن الانقسام طويلًا، ولم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار. المطلوب من الجميع تنازلات متبادلة من أجل المصلحة الوطنية، والانتقال من إدارة الخلاف إلى إدارة مرحلة انتقالية مشتركة.

إذا بدأت هذه الخطوات بجدية، يمكن أن تتحول القاهرة إلى بداية عملية لاستعادة الثقة وتوحيد الصف، ونقل شعبنا من اليأس إلى الأمل. فالمطلوب ليس تصفية حسابات، بل تصحيح حسابات. وليس تغيير أسماء فقط، بل تغيير طريقة إدارة قضيتنا الوطنية.

نقد الذات ليس ضعفًا، والمصالحة ليست تنازلًا، والوحدة ليست شعارًا. كلها شروط لاستعادة المبادرة وبناء قوة سياسية قادرة على حماية شعبنا والدفاع عن قضيته.

وعندها يصبح السؤال الأهم ليس فقط: من أخطأ؟ وإنما يجب أن يكون:  ماذا سنفعل بعد أن عرفنا أين أخطأنا؟

وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.

* أكاديمي فلسطيني وباحث سياسي

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.