أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

الخليل في موسم الانتخابات: نتنياهو يطلب الثقة وأزمة الأمن تطارده

* بقلم: د. أسعد العويوي

لم تكن تصريحات بنيامين نتنياهو من موقع العملية التي وقعت قرب الخليل مجرد ردّ فعل على حادث أمني؛ فقد جاءت في لحظة تتداخل فيها المواجهة الميدانية مع معركة سياسية على أصوات الناخبين الإسرائيليين. فمع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر، يصبح كل حدث أمني اختبارًا للحكومة، وفرصة للأحزاب المتنافسة لتقديم رواياتها عن المسؤولية والفشل والقدرة على حماية الجمهور.

ومن هنا تكتسب الخليل دلالتها السياسية: فنتنياهو لا يواجه أسئلة تتعلق بكيفية التعامل مع الحادث وحده، بل يواجه أيضًا سؤالًا انتخابيًا أثقل وزنًا: ماذا بقي من وعده بتوفير الأمن بعد الإخفاقات التي كشفتها أحداث السابع من أكتوبر 2023؟ وهل يستطيع إقناع الناخب الإسرائيلي بأن النهج الذي اتبعته حكومته قادر على تحقيق نتائج مختلفة، أم أن الإجراءات المعلنة في الضفة الغربية محاولة لتقديم صورة الحزم في وقت تتزايد فيه المطالب بالمحاسبة؟

في الحملات الانتخابية، يسهل على السياسي أن يعرض إجراءات فورية وأن يتحدث بلغة القوة، لكن الأصعب هو تفسير الإخفاقات السابقة وتقديم رؤية تمنع تكرارها. لذلك لا ينبغي النظر إلى تصريحات نتنياهو في الخليل بمعزل عن حاجته إلى إظهار السيطرة أمام جمهوره، ولا عن الضغوط التي يواجهها من منافسيه ومن شركائه في اليمين. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن دوافعه انتخابية وحدها؛ فالمعيار هو مضمون القرارات ونتائجها، وما إذا كانت تحمي المدنيين وتقلل احتمالات تجدد المواجهة أم توسّع دائرة الأضرار.

وعلى الناخب الإسرائيلي أن يسأل نتنياهو واليمين الحاكم بوضوح: إذا كانت هذه السياسات تضمن الأمن، فلماذا وقعت كارثة السابع من أكتوبر؟ فقد أعادت تقارير نُشرت قبيل الانتخابات فتح ملف التحذيرات التي قيل إنها وصلت إلى القيادة الإسرائيلية قبل الهجوم، بما فيها تقارير عن تحذيرات من مسؤولين إقليميين. وقد نفى نتنياهو معرفته المسبقة بالهجوم؛ لذلك فإن تحديد ما وصل إلى القيادة، وكيف جرى التعامل معه، وما إذا كانت هناك إخفاقات في التقدير والاستعداد، يتطلب تحقيقًا مستقلًا ومحاسبة واضحة، لا الاكتفاء بالتبادل السياسي للاتهامات.

بهذا المعنى، تصبح الخليل أكثر من نقطة على خريطة الضفة الغربية؛ إنها مرآة للسؤال الذي يواجه الناخب الإسرائيلي: هل يُقاس نجاح القيادة بقدرتها على إطلاق الوعود واتخاذ إجراءات سريعة بعد كل حادث، أم بقدرتها على منع الكوارث ومعالجة أسباب الصراع؟ إن أمن الإسرائيليين لا ينبغي أن يتحول إلى شعار انتخابي، كما لا يجوز أن يدفع الفلسطينيون ثمن المنافسة السياسية الإسرائيلية من خلال الإغلاقات والعقوبات الجماعية والاعتداء على حقوقهم.

الخليل ميدانٌ للأمن وساحةٌ للمنافسة الانتخابية

لا يمكن فصل الإجراءات الميدانية التي أعلنها نتنياهو في أعقاب عملية الخليل عن اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فالتهديد بإخلاء مناطق، وتكثيف المداهمات والتفتيش، ومصادرة الأسلحة، والتلويح بتوسيع العمليات في الضفة الغربية، لا يقتصر أثره على الواقع الأمني الفلسطيني، بل يحمل رسالة موجهة أيضًا إلى الناخب الإسرائيلي مفادها أن نتنياهو ما زال قادرًا على فرض السيطرة واتخاذ قرارات حاسمة.


في موسم الانتخابات، تتحول الإجراءات الأمنية إلى جزء من معركة إثبات الجدارة بالحكم. ومن هنا، يبدو أن نتنياهو يسعى إلى تقديم تحركه في الخليل بوصفه دليلًا على الحزم، وإلى إظهار أنه يستجيب بسرعة لأي تهديد. لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه هو: هل تُقاس كفاءة القيادة بحجم الإجراءات التي تعلنها بعد وقوع الحوادث، أم بقدرتها على منع الكوارث قبل وقوعها وتوفير أمن مستدام؟

هذا السؤال يكتسب ثقله من إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، التي لا تزال تفرض نفسها على النقاش الإسرائيلي بشأن مسؤولية القيادة والاستعداد الأمني. ولذلك، فإن إعلان إجراءات واسعة في الخليل قد يمنح نتنياهو فرصة للظهور بمظهر القائد الذي يمسك بزمام المبادرة، لكنه لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بما سبق الهجوم من تحذيرات ومؤشرات، ولا يعفي حكومته من مسؤولية مراجعة ما حدث.

والأهم أن يتحول الفلسطينيون إلى الطرف الذي يدفع ثمن هذه المنافسة: إغلاقات تطال حياتهم اليومية، ومداهمات تهدد أمنهم، وإجراءات جماعية تُفرض على مناطق كاملة، بينما يسعى السياسيون الإسرائيليون إلى إثبات قدرتهم على التشدد أمام جمهورهم. وهنا تكمن خطورة توظيف الأحداث الأمنية انتخابيًا؛ إذ تصبح معاناة الفلسطينيين جزءًا من حسابات داخلية لا يملكون حق المشاركة في تحديدها، لكنهم يتحملون آثارها المباشرة.

لا يمكن الجزم بأن الدافع الانتخابي هو السبب الوحيد وراء قرارات نتنياهو، لكن توقيتها وطبيعة الخطاب المصاحب لها يبرران مساءلة أهدافها ونتائجها. فالناخب الإسرائيلي يستحق إجابات عن إخفاقات حكومته، والفلسطينيون لا يجوز أن يتحولوا إلى وسيلة لاستعادة الثقة السياسية المفقودة. إذا كان نتنياهو يريد أصوات الناخبين باسم الأمن، فعليه أن يثبت أن سياساته تنتج أمنًا فعليًا، لا مجرد مشاهد قوة وإجراءات ميدانية تتكرر فيما تبقى أسباب الصراع بلا حل.

من الخليل إلى صندوق الاقتراع: أزمة تتجاوز نتنياهو

لا تقتصر المعضلة على نتنياهو بوصفه رئيسًا للحكومة، بل تمتد إلى النهج الذي يدعمه اليمين الحاكم، بما يشمله من توسيع للاستيطان وتشديد للسيطرة على الفلسطينيين ورفض الاعتراف بحقوقهم الوطنية. وقد يختلف الإسرائيليون على أداء نتنياهو ومسؤوليته، لكن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسات التي تُبقي الصراع مفتوحًا.

وهنا تكمن أهمية الربط بين الخليل والانتخابات: قد تمنح لغة الحزم بعض السياسيين مكاسب قصيرة الأجل، لكن صندوق الاقتراع لا يستطيع وحده معالجة أسباب انعدام الاستقرار. وإذا انتهت الانتخابات إلى تغيير في القيادة من دون مراجعة جدية للاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين، فإن الأزمة ستبقى قائمة، مهما تبدلت الوجوه والشعارات.

مسؤولية المؤسسات الدولية: من القلق إلى الفعل

إن ما يجري في الخليل والضفة الغربية يضع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أمام مسؤولية لا يجوز التهرب منها. فالاكتفاء ببيانات القلق والإدانة، بينما تتواصل الإجراءات التي تمس حياة الفلسطينيين وأمنهم وحقوقهم، يضعف الثقة بقدرة النظام الدولي على حماية القانون.

المطلوب تحرك دولي عاجل وملموس لحماية المدنيين، ووقف الإجراءات العقابية الجماعية، ومواجهة عنف المستوطنين، وضمان المساءلة عن الانتهاكات وفق القانون الدولي. وعلى الدول القادرة على التأثير أن تستخدم أدواتها السياسية والدبلوماسية والقانونية للضغط من أجل وقف الانتهاكات، بدل ترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة قرارات تُفرض على أرضهم ومستقبلهم.

حماية الفلسطينيين ليست منّة من أحد، بل التزام تفرضه قواعد القانون الدولي. ولا يجوز أن تبقى حياة شعب وحقوقه رهينة حسابات حكومة إسرائيلية أو مصالح القوى الكبرى. فالمصداقية الدولية تُقاس بالفعل لا بالتصريحات، وبالقدرة على حماية المدنيين وإنفاذ القانون على الجميع دون استثناء.

المسؤولية الفلسطينية: ألا نبقى أسرى الانتخابات الإسرائيلية

في المقابل، لا يجوز للفلسطينيين أن يتركوا مستقبلهم رهينة التجاذبات الإسرائيلية، أو أن ينتظروا نتائج الانتخابات لتحديد اتجاههم الوطني. المطلوب هو توحيد القرار، وتجديد الشرعيات والمؤسسات، وتفعيل التحرك الدبلوماسي والقانوني، وبناء استراتيجية تحمي الحقوق الفلسطينية وتواجه الاستيطان والانتهاكات.

إن الانتخابات الإسرائيلية شأن يخص الناخب الإسرائيلي، لكن نتائجها تؤثر في حياة الفلسطينيين، ولذلك ينبغي التعامل معها بوعي سياسي من دون تحويلها إلى بديل عن الفعل الوطني الفلسطيني. فلا يكفي أن نراهن على رحيل نتنياهو، كما لا يكفي أن ننتظر صعود حكومة أخرى؛ الأساس هو تغيير السياسات التي تنكر الحقوق الفلسطينية، وتعزيز القدرة الفلسطينية على حماية الأرض والإنسان والمشروع الوطني.

الخليل ليست دعاية انتخابية

في نهاية المطاف، تضع الخليل نتنياهو أمام اختبار مزدوج: اختبار أمني يتعلق بقدرة حكومته على حماية الإسرائيليين، واختبار سياسي يتعلق بقدرته على تقديم إجابات عن الإخفاقات السابقة. أما الفلسطينيون، فلا يجوز أن يتحولوا إلى مادة في حملة انتخابية إسرائيلية، أو أن يدفعوا ثمن محاولة أي حزب إثبات تفوقه على منافسيه.

على الناخب الإسرائيلي أن يحاسب قيادته على سجلها ونتائج سياساتها، لا على نبرة تهديداتها وحدها. وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك لحماية المدنيين وفرض احترام القانون، وعلى الفلسطينيين أن يوحّدوا صفوفهم ويبنوا مسارهم الوطني بأيديهم. فالخليل ليست مجرد حادث في موسم الانتخابات؛ إنها تذكير بأن الأمن لا يُصنع بالشعارات، وأن استقرار المنطقة لن يتحقق ما دام الاحتلال قائمًا والحقوق الفلسطينية منكرة. الطريق إلى سلام دائم يبدأ بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

* أكاديمي فلسطيني وباحث سياسي

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.