*د. أسعد العويوي
في فلسطين، لا يبدأ موسم الزيتون عند نضوج الثمار، ولا ينتهي بانتهاء القطاف. إنه حكاية علاقة متجذرة بين الإنسان وأرضه، وذاكرة عائلية تتناقلها الأجيال، ومصدر رزق لآلاف الأسر التي تواجه ظروفاً اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة. لكن هذا الموسم، الذي يفترض أن يكون مناسبة للعمل والتكافل والفرح، يتحول عاماً بعد عام إلى مواجهة مفتوحة على الأرض وحق الوصول إليها.
ما يتعرض له المزارعون الفلسطينيون خلال موسم قطاف الزيتون لا يمكن اختزاله في اعتداءات متفرقة أو حوادث فردية منفصلة عن سياقها. فحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، أو يتعرض للاعتداء أثناء جمع محصوله، فإن الخسارة لا تقتصر على أشجار أو ثمار؛ بل تمتد إلى مصدر دخله، واستقرار أسرته، وقدرته على البقاء في أرضه.
وتزداد خطورة المشهد عندما تتحدث تقارير إعلامية إسرائيلية عن تقييد نشاط متضامنين إسرائيليين وأجانب يحاولون مساعدة المزارعين الفلسطينيين أو حمايتهم من اعتداءات المستوطنين. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن أن يتحول التضامن مع مزارع يسعى إلى جني محصوله إلى عمل يُشتبه في أنه يثير التوتر، بينما يصبح حق المزارع نفسه في الحماية والوصول الآمن إلى أرضه موضع تساؤل؟
إن المسألة لا تتعلق بموسم زراعي عابر، بل بمعيار تطبيق القانون وحماية المدنيين. فالمسؤولية الأساسية تقع على عاتق السلطات القائمة، التي يتعين عليها منع الاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان وصول المزارعين إلى أراضيهم بأمان، دون تمييز أو قيود تعسفية.
ومن الخطأ أيضاً النظر إلى هذه القضية باعتبارها شأناً إنسانياً محدوداً. فالزيتون جزء من الاقتصاد الريفي الفلسطيني، وأي اعتداء على موسمه يضاعف أعباء الأسر التي تعتمد عليه، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتزايد فيه الضغوط المعيشية. وحين يخسر المزارع محصوله أو يعجز عن الوصول إلى أرضه، فإن آثار ذلك تنتقل من الحقل إلى البيت، ومن الأسرة إلى المجتمع بأكمله.
وفي المقابل، فإن وجود إسرائيليين وأجانب يختارون الوقوف إلى جانب المزارعين الفلسطينيين يطرح دلالة مهمة: ليس كل موقف داخل المجتمع الإسرائيلي متطابقاً، كما أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا ينبغي أن يُعامل تلقائياً بوصفه عداءً لشعب أو تحريضاً سياسياً. المعيار هو السلوك، واحترام القانون، وحماية الحقوق.
إن شجرة الزيتون تختصر جوهر القضية الفلسطينية: حق الإنسان في أرضه، وحقه في العمل والعيش بكرامة، وحقه في الحماية من الاعتداء. ولا يكفي أن يُترك الفلسطيني وحده في مواجهة الخطر، ثم يُطلب منه أن يثبت تمسكه بأرضه كل موسم من جديد.
فالسؤال الحقيقي ليس من يقف إلى جانب المزارع الفلسطيني، بل لماذا يحتاج المزارع أصلاً إلى متضامنين كي يتمكن من الوصول إلى أرضه وجني محصوله؟ ومتى يصبح قطف الزيتون عملاً زراعياً طبيعياً، لا اختباراً سنوياً للقدرة على الصمود؟
ستبقى شجرة الزيتون شاهدة على ارتباط الفلسطيني بأرضه، لكن هذا الارتباط لا ينبغي أن يكون بديلاً عن القانون والحماية والمساءلة. فالصمود قيمة وطنية، أما توفير الأمن للمزارع فهو مسؤولية لا يجوز التنصل منها.
* أكاديمي فلسطيني وباحث سياسي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق