أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

لعبة الإقصاء الكبرى: كيف خسر الجميع معركة مصر؟

(1)

بعد 25 يناير 2011، كانت هناك حالة من السيولة والمبالغة في الأحلام والتمنيات والتوقعات، ليست فقط في صفوف البسطاء من الشعب المصري (الذين ما أن أُعلن تنحي المخلوع مبارك، حتى سارعوا إلى الآلات الحاسبة ليعرفوا كم سيكون نصيبهم من ثروات آل مبارك ونظامه الفاسد) بل إنها تفشت حتى تملكت "مثقفاتية" مصر من تياراتها المختلفة، بعدما ظنوا أن حكم مصر دان لهم واقترب.

كانت حالة السيولة أقرب إلى السذاجة، وظن كل تيار أنه أحق وأجدر بحكم مصر، وأنه فقط الوحيد القادر على الخروج بها من كبوتها. لكن سرعان ما اصطدمت تلك الاستحقاقية بحقائق اتضح أنها تختلف تماما عن تصورات تلك التيارات، بل وتتعارض في كثير من الأوقات مع أوهام المثقفاتية المصريين.

كانت الصدمة الكبرى من نصيب ما يُطلق عليه التيار المدني (والمقصود به ذلك الطيف الواسع من التيارات الليبرالية واليسارية والعلمانية المعادية للتيار الإسلامي) عندما اكتشفوا سريعا أنهم بلا أرضية شعبية حقيقية تتناسب مع صوتهم وقوتهم وانتشارهم على منصات التواصل الاجتماعي.. ثم اكتشفوا لاحقا أن الدولة المصرية -التي ثار عليها الشعب في 25 يناير 2011- لا تزال تحكم مصر، تُسّيرها وفقما تريد وتحركها كيفما تشاء. وكانت الطامة الكبرى عندما تحالفت تلك الدولة مع التيار الإسلامي مبكرا، مع استفتاء مارس 2011، وما تبعه من "عشق ممنوع" ومؤقت بين خصمين لدودين لا يمكن أن يتفقا بصفة دائمة (الإسلام السياسي والدولة المصرية)، ولعل "جمعة قندهار" كانت من أبرز محطات العشق المؤقت، وأكثر لحظات صدمة التيار المدني.

ومع وصول مرسي إلى الحكم، ظنت جماعة الإخوان أن مصر قد أخذت زخرفها وتزينت لهم، وباتت قواعد الجماعة وقادتها تتهامس بصوتٍ عالٍ عن "500 عاما من الحكم". في تلك اللحظة، بدأت الجماعة هي الأخرى تأخذ نصيبها من السذاجة والمبالغة في التصورات والأوهام.

(2)

من بين الأوهام التي أوردت الجماعة المهالك، هو التصور بإن الإخوان أخرجوا "التيار المدني" بكافة أطيافه من اللعبة، وهو ما تكرس وترسخ -من وجهة نظرهم- مع انتهاء الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، بعدما فشل هذا التيار في إيصال أي من المرشحين المحسوبين عليه أو المدعومين منه إلى جولة الإعادة. مع تيقنها من هذا التصور، انتقلت الجماعة إلى اللحظة القاتلة:  الدور الآن على العسكر.

من بين القراءات التي يمكن أن نقدمها لـ"إعلان الفجر" الذي قامت به الجماعة، إبان انتهاء جولة الإعادة بين مرشحي الرئاسة (مرسي وشفيق) أنه لم يكن مجرد محاولة استباقية لتنصيب مرسي والحيلولة دون تزوير العسكر لنتيجة الانتخابات، وهو ما قيل وقتها في أغلب التحليلات. بل إن الأمر كان أخطر من ذلك.. كانت تلك لحظة إعلان الإخوان أن العسكر قد حان دورهم ليلحقوا بالتيار المدني في الخروج من اللعبة.

كان "إعلان الفجر" هو صافرة البداية لمباراة عنيفة لتكسير العظام. المشهد كالتالي:

- طرفا المباراة (اللاعبان) هما المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان.

- الحكم الذي ارتضاه كلا اللاعبين برضا و"عشم" هو الولايات المتحدة الأمريكية.

بينما اكتفى التيار المدني بدور المتفرج، وكانت ذروة دور المتفرج لدى هذا التيار في الدقائق الأخيرة من المباراة (في 30 يونيو 2013).. يمكن القول إنه تحول إلى "رابطة أولتراس" قوية بنفس منطق الرابطة: تهتف بحماس لفريقها وتُعظّم لاعبيه إيمانا منها بدورها وإخلاصا منها لفريقها، لكنها ستظل رابطة مشجعين لا تملك حتى أن تدخل من أبواب ذلك النادي الذي تشجعه وتهيم به وتخلص له.

(3)

نعود إلى "الوهم الإخواني القاتل" الذي انطلق مع "إعلان الفجر". فكان النجاح الكبير للإعلان، عبر إقرار العسكر بفوز مرسي لحظة "نشوة" لا تضاهيها لحظة في تاريخ الجماعة منذ تأسيسها.. وكأي نشوة، فدوما يصحبها سكرات وأحلام وتصورات.. وهذا ما حصل مع الجماعة: ظنت أنها بدأت في تطبيق خطتها لإخراج العسكر من اللعبة، بنفس طريقة إخراج التيار المدني منها.

فوفق التصور الإخواني: نجحت الجماعة في التقرب إلى العسكر زلفى، ودقت الأسافين بين العسكر وبين التيار المدني حتى شعر العسكر أن الجماعة أقرب الأطراف لهم. ومع كون الجماعة هي الأفضل تنظيميا والأقدر على المواجهة والأكثر جاهزية لتصدر السباق، تولد لدى الجماعة اعتقاد بأن العسكر بالفعل لا مفر لديهم سوى القبول بالجماعة كحليف أوحد. فمن الناحية البراجماتية، الإخوان هم المرشح الأوفر حظا في أي استحقاق انتخابي، ولعل ما حصل في استفتاء مارس أظهر تلك الحقيقة بشكل واضح للجميع، بما فيهم العسكر والتيار المدني. ومن الناحية العاطفية (كرافعة بديلة للأيديولوجيا) نجح الإخوان في إشعار العسكر بأنهم الأقرب إليهم. بعد ذلك كان إخراج التيار المدني من اللعبة مسألة وقت، وكانت الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة هي مراسم إعلان ذلك الخروج.

بنفس التصور والمنطق والتسلسل، ظن الإخوان أن الدور قد حان على العسكر. ويمكن القول إن "إعلان الفجر" هو المعادل الموضوعي والزمني لـ"استفتاء مارس".. فكما كان الثاني لحظة إعلان بدء مهمة إخراج التيار المدني من اللعبة، كان الأول يمثل لحظة إعلان بدء مهمة إخراج العسكر من اللعبة. وفقا هذا التصور، سيتكرر السيناريو مع فارق واحد فقط: العسكر انتقلوا من موقعهم في المعادلة الأولى كجهة حسم، ليصبحوا جهة استهداف ويحلوا محل التيار المدني. وفي المعادلة الثانية، حل الأمريكان محل العسكر كجهة حسم للعبة.. وكانوا بالفعل جهة الحسم التي أجهضت لعبة الإخوان، على غير توقعهم تماما.

(4)

نحن إذن أمام لاعبين يتوسطهما حكم.. كل طرف من الثلاثة (اللاعبان والحكم) حريص على أن يظهر للطرفين الآخرين أنه أقرب لكل طرف منهما على حدة. فالإخوان تظهر للعسكر أنها أقرب لهم من أمريكا، وتفعل نفس الأمر مع الأمريكان. والعسكر يظهرون للأمريكان أنهم أقرب لهم من الإخوان، ويفعلون نفس الأمر مع الإخوان. فكلا اللاعبين كانوا على يقين بأن الحكم الأمريكي هو فقط القادر على حسم النتيجة لصالحه، مع أفضلية بالطبع للعسكر الذين استثمرت فيهم امريكا أكثر من 50 مليار دولار، بالإضافة إلى قادة المؤسسة الذين صنعوا على عينها، وهي الحقيقة التي فاتت الإخوان، وظنوا أن رغبة أوباما في تكرار تجربة أردوغان في الدول العربية إبان الربيع العربي، ستشفع لهم وتعوض كفتهم.

ظل الإخوان طوال عام من حكمهم مقتنعين بجدوى وجدية لعبتهم، وإذا كان إعلان الفجر هو المعادل الزمني والموضوعي لاستفتاء مارس، فإن لحظة الإطاحة بالمشير طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان يمكن القول إنها تمثل المعادل الزمني والموضوعي لـ"جمعة قندهار". وكانت النشوة هذه المرة كبيرة لدرجة أنها ربما فاقت نشوة نجاح "إعلان الفجر" في تنصيب مرسي على كرسي الحكم. لقد آمن الإخوان بقدرتهم على الإطاحة بالمؤسسة العسكرية ليس فقط من اللعبة، بل من المشهد السياسي في مصر تماما.. وهنا، كانت بداية المأمن الذي يُـؤتى منه الحَذر.

(5)

.. وخطيئة أخرى ارتكبتها الجماعة، أنها صدقت العسكر وأمريكا. واقتنعت باللعبة المضادة التي نفذاها ضد الجماعة، رغم أنها في الحقيقة هي نسخة طبق الأصل من لعبة الجماعة التي سبق ونفذتها ضد التيار المدني، ولا تزال تخوضها ضد العسكر. الغريب أن لعبة العسكر المضادة نجحت بشكل منقطع النظير!!

كان فقر الجماعة للعقول والمنظرين والأصوات المعارضة من داخلها، صمام أمان يضمن نجاح اللعبة المضادة التي يقوم بها العسكر والأمريكان. فالجماعة عقل ديني مغلق، تربى على "لا تجادل ولاتناقش يا أخ علي" ونشأ على "الإخوة فوق عارفين كل حاجة"، ومع وصول مرسي للحكم، كانت جملة "الجماعة فوق ماسكين كل حاجة بإيديهم والجيش في جيبهم الصغير" على لسان كل منتمي ومحب للجماعة، بداية من الرئيس مرسي نفسه، إلى أصغر عضو في أصغر أسرة.

(6)

.. وخطيئة ثالثة للإخوان. لقد تنمروا على كافة الفرقاء، واستهانوا بأهمية التيار المدني. تخلت الجماعة شيئا فشيئا عن رفاقها من الإسلاميين، وتهمكت على بعضهم، وسخرت من ضعف وجود البعض الآخر، واحتقرت صراحة مخاوف البعض الثالث.

أما التيار المدني، فظن الإخوان أنهم بإخراجه من اللعبة، فقد صار طريح الفراش، وكأي "فريق شركات" مصنوع  بالمال، ظن الإخوان أنهم لا حاجة لهم بملء مدرجاتهم بالمشجعين وروابط الأولتراس، بل واستهانوا بأهمية دورهم في تأجيج المشاعر، خاصة إذا كانوا من المخضرمين في التشجيع البارعين في إلهاب الحماس وكسب جماهير الفرق غير المنافسة لهم. وكأي فريق شركات، اكتفت الجماعة فقط بحشد عمال الشركة لتشجيعهم و"مهاجمة" الطرف الآخر والحَكَم عند اللزوم، وشتم وضرب الجمهور الآخر طوال المباراة.

(7)

.. وأمر آخر، مرده إلى الفقر الفكري المشار إليه آنفا داخل الجماعة، وانعدام المنظرين والعقول داخل الإخوان. فلو كان لدى الجماعة من يفكر لها، لأدرك أنه في أدبيات الاتصال الاستراتيجي وإدارة الصراع، غالبا ما يُنظر إلى الأطراف ضمن طيف من المواقف: عدو - خصم أو منافس - محايد - متضامن - مؤيد داعم. ومن ثم تسعى الاستراتيجية إلى تحقيق انتقالات متدرجة بين هذه المواقع.

بتطبيق الأمر على التيار المدني، كان لزاما على الجماعة -لو كان لديها عقل- أن يكون شغلها الشاغل -بينما تخوض لعبتها الأخطر مع العسكر- أن تسعى لتطبيق تلك الاستراتيجية مع التيار المدني، فإذا كان من المستحيل تحويله إلى متضامن، فعلى الأقل تضمن تحييده. لكن كل تصرفات الجماعة أدت إلى العكس تماما، فخسرت العديد من المتضامنين من أبناء جلدتها الإسلامية، وازداد عدوها عداءا. على الجانب الآخر، نجح العسكر في تطبيق تلك الاستراتيجية بذكاء، وبينما كانوا يصورون للإخوان أنهم الأقرب لهم من الأمريكان، خاضوا غمار نفس اللعبة مع التيار المدني، الذي مثّل له الأمر إحساس زائف بالأهمية والنجاح، بعدما تكرس لديه شعور عميق بالفشل وعدم القدرة على مجاراة الإخوان شعبيا وتنظيميا، وهو الإحساس الذي استثمر فيه العسكر بدهاء.

(8)

كان رهان الإخوان في لعبتهم على أمرين: سابقة نجاحهم مع التيار المدني، ورغبة أوباما في تكرار تجربة أردوغان في دول الربيع العربي. والحديث عن أوباما يتطلب وفقة مهمة، للتوضيح والاستبيان.


في أيامه الأخيرة في سدة الحكم، وفي حواره الأشهر من مجلة "ذا أتلانتيك"، عنونت المجلة اللقاء بمصطلح بارز ولافت وله دلالات لا يمكن إغفالها.. كان العنوان هو: "مبدأ أوباما". وفي ـدبيات السياسة الأمريكية، يعني مصطلح "مبدأ" إذا اقترن بسياسات رئيس، أننا أمام خطة عمل ومنهج سياسات ستلتزم به الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.. فما هي أبرز ملامح مبدأ أوباما؟ وكيف خدع الإخوان؟

كان مبدأ أوباما ينطلق من رغبة في الخروج من الشرق الأوسط، عبر تجميد كافة الملفات فيه، خاصة الصراع العربي الإسرائيلي، والبرنامج النووي الإيراني، وأنظمة الحكم في المنطقة. كانت حجة أوباما في ذلك هو الحاجة الماسة للتفرغ أكثر فأكثر للتهديد القادم من آسيا.. الصين.

كان أوباما يرى أن الشرق الأوسط وصراعاته استهلكت واستنزفت طاقات وقدرات أمريكا على مر أكثر من 6 عقود. وبينما كانت أمريكا منشغلة بصراعات الشرق الأوسط، كانت الصين تصنع المجد، وتراكم أسباب القوة في طريقها لمزاحمة الإمبراطورية الأمريكية، بل وربما وراثتها -ولو بعد حين-. 

لهذا، رأي أوباما أن أمريكا عليها أن تنأى بنفسها -شيئا فشيئا- عن صراعات الشرق الأوسط التي لا تتوقف، مع تجميد الأوضاع في ساحات الصراع، لحين التعامل مع التهديد الصيني. وكانت رؤية أوباما لملفات الشرق الأوسط وصراعاته محددة وواضحة: إيقاف السعي الإيراني من أجل التسليح النووي، وتأمين إسرائيل بما يضمن لها استقرار حدودها وتخليصها من التهديدات المحيطة بها، مع كف يد نتنياهو وكبت أحلامه التوسعية، وضمان تدفق النفط والغاز من المنطقة وتأمين طرق الملاحة، عبر الحفاظ على دول النفط والغاز والملاحة مستقرة وآمنة من أي هبات غير مواتية من الثورات أو التمرد.

(9)

كانت مصر هنا تتقاطع مع 3 محاور من رؤية أوباما: الحفاظ على حدود آمنة لإسرائيل عبر تأكيد الالتزام بالسلام، وضمان حرية الملاحة في قناة السويس، والحفاظ على مصر من أي ثورة غير متوقعة وغير مضمون التحكم بها مثلما حصل في 25 يناير 2011.

نعود إلى طرفي اللعبة: العسكر والإخوان. بالنسبة للاعب الأول، فماضيه يشهد له: فقد أبرم العسكر اتفاقات للسلام مع إسرائيل ولم يفرطوا في جنبهم أبدا، وباتوا أحرص من إسرائيل نفسها على كامب ديفيد. كما أنهم يضمنون للعالم الحفاظ على حرية وأمن الملاحة في قناة السويس، ليس فقط لما تمثله من أهمية كونها أحد أهم مصادر الدخل القومي في مصر، بل لما تمثله أيضا من مصدر دخل وثورة ونفوذ لقادة المؤسسة العسكرية.

أما عن الإخوان: فقد تعهدوا، وعلى لسان محمد مرسي نفسه (والخبر منقول على سي إن إن) بالحفاظ على معاهدات مصر الدولية، وتحديدا اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما عن قناة السويس، فلم يكن الأمر بحاجة إلى تعهد، فقد ضمن وصول مرسي إلى الحكم حرص الإخوان على هذا المرفق الهام، لما يمثله من مصدر قوي للدخل القومي كما ذكرنا.

إذن، مربط الفرس هو المحور الثالث: من يضمن لـ"أوباما" عدم اندلاع أي تمرد أو ثورة غير متوقعة، على الأقل خلال فترة الانشغال بالصين؟ كان رهان أوباما واضحا وصريحا: الإسلام السياسي. كان الرئيس الأمريكي يرغب في تكرار تجربة أردوغان في مصر. فالرجل كان مقتنعا أن الحفاظ على استقرار دول المنطقة -ذات الأغلبية السنية- يقتضي أن تتولى تلك الأغلبية حكم نفسها، منعا لتمردها لاحقا على حكامها بشكل يهدد أمن ومصالح امريكا في المنطقة. وبالتالي، فإن الإسلام السياسي هو المؤهل أكثر لهذه المهمة، خاصة مع نجاح تجربة أردوغان في تركيا. 

كان أوباما يرى أن الإسلام السياسي، وتحديدا جماعة الإخوان المعروف صلاتها بالغرب وأجهزه الاستخبارتية وبراجماتيتها الشديدة التي لن تمانع أبدا التنازل عن "مبادئ الجماعة" حتى لو هتف جمهور الإخوان بتلك الشعارات كل يوم، هم الأجدر بتولي الحكم، والأضمن لمصالح أمريكا. بل وذهب أوباما إلى أنهم أكثر من سيضمن لإسرائيل أمنها، لما للجماعة من صلات تنظيمية وأيديولوجية مع المقاومة في غزة، التي تقودها حركة حماس ذات الأصل الإخواني الذي لا تنكره الحركة (قطعت معه الحركة لاحقا).

(10)

على هذا راهن الإخوان.. فعلى ماذا راهن العسكر؟

بالنسبة للعسكر، كانت عقبتهم الوحيدة هو أوباما فقط، الرئيس بصفته وشخصه فقط. بينما باقي المؤسسات الامريكية لا ترغب مطلقا في الرهان على الإخوان في بلد كمصر، أي هزة فيها تعني زلازل سيطال صداها كافة المنطقة. 

أنا أميل إلى تصور ان مصر كدولة، تقع ضمن اختصاصات البنتاغون، ضمن سلسلة توزيع الأدوار في أمريكا. فالعسكر في امريكا على صلات قوية جدا بنظرائهم في مصر، واستمثروا في الجيش المصري أكثر من 50 مليار دولار منذ كامب ديفيد، كما أن قادة المؤسسة العسكرية كلهم صنعوا على عين أمريكا (أتذكر أن أحد الضالعين في مجال المعلومات والاستخبارات اخبرني ذات مرة أنه لا يمكن أن تصل إلى رتبة لواء في الجيش المصري إلا بعد خوض دورات تدريبية في أمريكا، وان المشكوك في انتماءاتهم الأيديولوجية لا يصلون إلى أعلى من رتبة عميد).

وبالتالي، فإن الرئيس الأمريكي ليس صاحب النفوذ أو الأمر الأخير فيما يخص السياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر، بل البنتاجون. وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يجبر البنتاجون على التضحية بالطرف الذي جربه طوال أكثر من 35 عاما، وتيقن من تبعيته والتزامه بالحفاظ على أمن إسرائيل وحرية الملاحة في قناة السويس؟ وإذا كانت حجة أوباما في رهانه على الإخوان هي الحيلولة دون وقوع ثورات مستقبلية، فالبنتاجون يدرك أن الجيش المصري قادر على قمع أي تمرد، شريطة ألا تتدخل أمريكا وتبتزه بدافع حقوق الإنسان، وهو ما يضمن البنتاجون عدم حصوله، وهو ما حصل فعلا بعد الانقلاب العسكري في 2013، الذي دعمه البنتاجون بكل قوة، رغم معارضة أوباما.

(11)

إذا افترضنا تساوي كفة داعمي كل طرف في اللعبة: الإخوان يدعمهم البيت الأبيض، والعسكر يدعمهم البنتاجون -مع أنهما ليسوا سواء- فلماذا رجحت كفة العسكر؟ ولماذا لم يحاول أوباما أن يعمل على عودة الإخوان؟ 

الجواب بكل وضوح: معركة القصير.

كان أردوغان من أكثر الداعمين لرؤية أوباما الخاصة بإيصال الإسلام السياسي إلى الحكم في دول الربيع العربي، وتحديدا في مصر وسوريا. هنا، سنرجع قليلا إلى الربيع العربي.

كانت أهداف أمريكا من الربيع العربي واضحة: أولا، الإطاحة بالأنظمة التي تمثل تهديدا واضحا وصريحا ومباشرا لمصالح أمريكا وامن إسرائيل، وتحديدا سوريا وليبيا. ثانيا، تمرير الحكم بسلاسة من الحكام الذين قاربوا على الموت أو التي أوشكت أنظمتهم على الانهيار إلى خلفاء يضمنون تبعية أكثر لأمريكا، خاصة مصر وتونس. وكما ذكرنا، كان أوباما يميل أكثر إلى أن يخلف الإخوان مبارك في مصر.

لا يخفى على أحد الدور الذي لعبته تركيا لتمرير آلاف المرتزقة والإرهابيين إلى سوريا لمحاربة النظام السوري وإسقاطه، بالإضافة إلى مليارات الدولارات التي أنفقتها قطر (راعية الإخوان) من أجل إسقاط النظام السوري بحجة تحرير الشعب. ورغم هذا التحالف من أجل إسقاط النظام -من أجل ما كان يمثله النظام كحلقة مهمة في سلسلة تسليح المقاومة خاصة في لبنان- وليس من أجل تحرير الشعب كما يزعم مرتزقة تركيا وقطر أمثال الجولاني ورفاقه، وهو ما يتماشى مع "مبدأ أوباما" لتأمين جوار إسرائيل قبل الانشغال بالصين، إلا أن الدعم الواضح والمباشر من روسيا وإيران -عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا- منع تحقيق حلم أردوغان وقطر وأوباما (تغير الظروف واستنزاف داعمي النظام السوري لاحقا كان له كلمة الفصل في نجاح الخطة لاحقا).

أما عن الإخوان، فكانت طامتهم الكبرى في معركة القصير في 2013.

(12)

معركة القصير 2013، هي معركة عسكرية بين الجيش السوري وحزب الله من جهة وقوات المعارضة السورية وأهمها الجيش السوري الحر وجبهة النصرة  (الجولاني) من جهة أخرى، وقد استمرت 18 يوماً (19 مايو إلى 5 يونيو) وانتهت بسيطرة الجيش السوري على المدينة.

اعتبرت المعركة في القصير حاسمة من كلا الجانبين في الصراع، بالنسبة للحكومة السورية وحزب الله، فإن السيطرة على القصير سيسمح للحكومة السورية لربط حمص ودمشق، وتعزيز السيطرة على حمص وربط قوات الجيش إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط وميناء طرطوس . وأما حزب الله فمن أجل حماية مؤيديه في لبنان من هجمات إرهابيو النصرة والجيش الحر، كما أن القصير هي طريق مهم للإمدادات الرئيسية من لبنان وكذلك المقاتلين السنة اللبنانيين الذين يعبرون الحدود للقتال إلى جانب أتباع الجولاني في سوريا.

بهزيمة أتباع أردوغان وقطر وأوباما في القصير، تيقن عجز أوباما عن تحقيق رؤيته، ما نقل الشك إلى مبدأ أوباما بالكامل. بات التساؤل الأخطر الآن يدور حول مدى صواب الانصراف الأمريكي عن الشرق الأوسط، في ظل الفشل في تأمين جوار إسرائيل، وعدم القدرة على الإطاحة بنظام الأسد. انسحبت نتيجة معركة القصير أيضا على باقي رهانات أوباما، وفي القلب منها فشل الاعتماد على الإسلام السني في المنطقة.

ومع الهزيمة الساحقة لأتباع قطر وتركيا في القصير، أدرك إخوان مصر (المنضوين أيضا في حلف مع قطر وتركيا) أن ارتدادات الهزيمة ستطالهم، لكنه كان إدراكا متأخرا، أسفر عن تصرفات حمقاء مرتبكة زادت الطين بلة. ففي 15 يونيو، خرج مرسي في مؤتمره الشهير، وهاجم حزب الله والنظام الأسد، وقال جملته الشهيرة: "لا مكان لحزب الله في سوريا.. لبيك يا سوريا" وأعلن قطع العلاقات مع سوريا، بعدما استضاف زمرة من الإرهابيين الراغبين في الجهاد في سوريا أو الذين يتولون مسؤولية إرسال الشباب إلى هناك، مثلما استضاف قتلة السادات في الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر!

كانت الجماعة تحاول أن ترسل رسائل على 3 مستويات من خلال مؤتمر دعم "الثورة" في سوريا: داخلية وإقليمية ودولية. كانت الرسالة الداخلية هدفها الهروب من ابتزاز السلفيين للجماعة بعد استضافة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في مصر، وهو ما أسفر عن حملة سلفية شعواء طالت مرسي والإخوان لحد اتهامهم بالتشيع وممالأة من يسبون السيدة عائشة. 

أما الرسالة الإقليمية فكانت موجها إلى رفقاء الدرب في المنطقة، وخاصة قطر وتركيا، ومعهم السعودية التي كانت رغم وقوفها مع قطر وتركيا في سوريا، إلا أنها تعادي حليفهم في مصر. أما الرسالة الدولية فكانت موجهة إلى أمريكا بجناحيها: أوباما الذي أصابه الإحباط وضعف موقفه، والبنتاجون الذي بات أكثر يقينا بصحة موقفه الرافض للإسلام السياسي. كانت الرسالة تهدف إلى إقناع أمريكا بمنحهم بعض الوقت لمعاودة الكَرَّة ضد النظام السوري، مع وعد بالنجاح هذه المرة. ظن مرسي وجماعته أن مثل هذه الرسائل ستجد من يصغى أو يهتم، وظلوا على رهانهم على أوباما، لكنهم لم يكونوا على علم بأن قوس البنتاجون لم يعد به منزع.

(13)

سبق سيف البنتاجون عذل الإخوان. وانقلبت كل الأوراق على الجماعة: فالعسكر أداروا معركتهم بمكر ودهاء شديدين، والأمريكان حسموا أمرهم بانتصار ساحق لرغبة البنتاجون. حتى التيار المدني في مصر، شعر أخيرا بشفاء صدره وغليله من الجماعة وصلفها وعنجهيتها، وتشفى في مصابها، دون أن يعلم حقيقة حجمه وطبيعة دوره في اللعبة. 

ظن التيار المدني أن الجيش أطاح برئيس مدني منتخب، ليسمح لهم بالجلوس على الكرسي، لكنهم سرعان ما اكتشفوا حقيقة دورهم وحجمهم، وسرعان أيضا ما لحقوا بالإخوان في السجون والمعتقلات والمنافي والقبور.

واليوم، وبعد 13 عاما من تلك الأحداث، لا يزال الإخوان على عنادهم (لم يحدث ان اعتذرت الجماعة بشكل واضح وصريح عن خيانتهم للثورة وتآمرهم عليها مع العسكر) كما لا يزال التيار المدني في أضغاث أحلامه وأوهامه وأحقاده على قدرة الإسلاميين على النفاذ إلى الشارع المصري (ولم يعتذروا أيضا عن جهلهم الذي جعلهم مجرد مطية للعسكر في 2013).

وطالما بقيت حالتنا هذه بين حكومات ومعارضة الكسبة، فإن مصير مصر ومستقبلها قاتم معتم كما حذر الشهيد جمال حمدان في مذكراته الخاصة.

عبدالرحمن كمال

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.