ما إن أُعلن عن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، حتى ملأ المحللون الدنيا ضجيجًا بتحليلات كثيرة تتحدث عن تحالف سيغير الشرق الأوسط، وعن تحالف ستكون له أبعاد واسعة، وعن اتفاق سيجبر القوى الإقليمية الطامعة في الدول العربية على تغيير مخططاتها، بل وعن تحالف سيغير شكل النظام الإقليمي والنظام الدولي، وربما ينتج عنه نظام عالمي جديد.
على ما يبدو، فإن المبالغة أصبحت ظاهرة عربية، أو داءً عربيًا أصيلًا. هذه المبالغات في الحديث عن هذا الاتفاق ليست جديدة، فقد تكررت عند توقيع تركيا اتفاقية دفاع مشترك مع قطر، وعندما وقعت باكستان اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية قبل أشهر، وحتى في عام 2014، عندما أُعلن عن تحالف إسلامي ضم نحو 41 دولة، كانت من بينها تركيا وباكستان والسعودية نفسها.
لكن قبل الحديث عن المستقبل، وعن النتائج التي يمكن أن ينتجها هذا التحالف أو الاتفاق، وعن المأمول والمرجو والمتوقع منه، فلنتوقف عند الحاضر، ولنتحدث عن الماضي القريب والحاضر الذي نعيشه منذ ثلاث سنوات.
غزة اختبار الإرادة
الحديث هنا عن الإبادة الجماعية النازية التي تحدث على مرمى حجر من تركيا والسعودية، في غزة وفلسطين. في حقيقة الأمر، لم تكن غزة مجرد اختبار للإنسانية، كما يحاول البعض تصوير المسألة؛ ففي أبسط تجلياتها، كانت فلسطين، منذ اللحظة الأولى لوعد بلفور، اختبارًا للإرادة.
والإبادة الجماعية التي حدثت وتحدث وستستمر في غزة، والتي يُخشى أن تتوسع لتشمل دولًا أخرى، هي في حقيقتها اختبار للإرادات، وليس اختبارًا للإنسانية كما ذكرنا. إنه اختبار لمن يملك القدرة على كسر إرادة مجرمي الحرب، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، ومن يقف خلفه ويدعمه.
وهذا الوصف لا يقتصر على نتنياهو وحده، بل يشمل المنظومة الصهيونية التي تحتل الأرض الفلسطينية، كما يشمل اللوبي الصهيوني، والسياسة الأمريكية التي دعمت العدوان، سواء في عهد جو بايدن أو دونالد ترامب. والسؤال هنا بسيط: من يملك القدرة والإرادة على كسر إرادة هؤلاء ووقف الإبادة؟
القانون الفيزيائي الشهير يقول إن لكل فعل رد فعل مساويًا له في المقدار ومعاكسًا له في الاتجاه. فهل كانت هناك إرادة عربية أو إسلامية، سواء بشكل منفرد من دولة ما أو بصورة جماعية تضم الدول العربية أو الإسلامية، قادرة على إنتاج رد فعل مضاد لإرادة نتنياهو وترامب ومجرمي الحرب؟
هل امتلك أي من هؤلاء إرادة مضادة مساوية في المقدار، ومعاكسة في الاتجاه، وقادرة فعلًا على وقف الإبادة؟
الجواب: لم يحدث.
سقطنا جميعًا في اختبار الإرادة. كل الدول العربية، دون استثناء، سقطت في هذا الاختبار، وكل الدول الإسلامية، دون استثناء، فشلت أيضًا. وحتى إيران التي قد يظن البعض أنه يصعب استثناؤها؛ لكنها، للأسف، دخلت الحرب في التوقيت الذي حدده نتنياهو، ولم تدخلها بالتوقيت الذي فرضته معركة طوفان الأقصى، وهو ما جرى شرحه في مقال سابق.
وبالتالي، لم تكن هناك دولة عربية أو إسلامية، ولا كيان عربي أو إسلامي، ولا تحالف عربي أو إسلامي، قادر على النجاح في اختبار الإرادة. سقطنا جميعًا وفشلنا جميعًا.
القضية المركزية
ليس من المبالغة القول إن غزة وفلسطين هي القضية المركزية للعرب والمسلمين، بل ولكثير من دول العالم الثالث والجنوب العالمي، ولكل من يرفض الإمبريالية والصهيونية والاستغلال. لذا، فإن السؤال يصبح أكثر اتساعًا.
فلسطين أكبر من مجرد قضية إقليمية. وكل معادٍ لإسرائيل، وكل معادٍ للهيمنة الأمريكية والصهيونية والإمبريالية واستغلال الجنوب العالمي وموارده وثرواته، يفترض أن يكون موقعه الطبيعي في مواجهة هذه المنظومة.
أما بعض الحكام في الجنوب العالمي، ومنهم رؤساء التيارات اليمينية التي تحكم في أمريكا الجنوبية والوسطى، وحكام الدول العربية والإسلامية، فإن مكانهم، في الواقع، ليس في مواجهة هذه المنظومة، بل إن بعضهم لم يعد حتى إلى جوارها، وإنما أصبح أسفل أقدامها.
ولذلك، فإن كل هذا التحليل حول اتفاق مكة لا يبدو في جوهره أكثر من ضجيج بلا طحن.
الأيام بيننا.
اتفاق بلا إرادة
هذا الاتفاق لن يدوم ولن يستمر، لأن الدول الثلاث الموقعة عليه خاضعة لـ"الإرادة الأمريكية". وفي النهاية، تخضع هذه الدول لما تريده الولايات المتحدة، ولا يملك أي منها أن يعادي أمريكا أو يجاهر بعدائها.
أما الحديث عن رفض التطبيع، فيجب التعامل معه بحذر؛ لأن الولايات المتحدة لم تستمت أصلًا من أجل تحقيق التطبيع بين السعودية وإسرائيل، وإنما كان ذلك من رغبات ترامب، ورغبات ترامب لا ينبغي التعامل معها باعتبارها دائمًا رغبات الولايات المتحدة كدولة ومؤسسة.
حتى ترامب نفسه، يطلق أحيانًا تصريحات تبدو للوهلة الأولى معادية أو متناقضة مع ما تريده إسرائيل ونتنياهو، لكنه سرعان ما يتراجع. وعندما يعلن موقفًا يبدو متعارضًا مع رغبة إسرائيل، تظهر على الفور أخبار وتقارير جديدة عن ملفات إبستين تدفعه إلى تغيير موقفه.
حتى عندما قال ترامب، قبل أيام، إن نتنياهو لن يحدد للولايات المتحدة لمن تبيع طائرات «إف-35» ومن تبيع له الأسلحة ومن لا تبيع له، تعليقًا على طلب نتنياهو عدم بيع هذه الطائرات لتركيا، فإن تصريح ترامب بدا أقرب إلى الاستهلاك الإعلامي منه إلى موقف استراتيجي.
فالاختبار الحقيقي ليس في التصريحات، وإنما في الإرادة والقدرة على الفعل.
فشل الاختبار
نحن أمام اختبار للإرادات، وللأسف فشلت الدول العربية والإسلامية في كسر إرادة نتنياهو وإجباره، ومن خلفه الولايات المتحدة، على وقف الإبادة.
ولو حدث ذلك، لكانت تلك اللحظة يمكن أن تشكل إيذانًا بنظام إقليمي قوي قادر على الوقوف في وجه نتنياهو وترامب، وبالتالي يصلح للبناء عليه كمقدمة لنظام إقليمي، وربما عالمي، جديد.
أما وأن ذلك لم يحدث، ولا تزال الإبادة مستمرة في غزة ولبنان، وتواصل إسرائيل اعتداءاتها في إيران وسوريا، التي سقطت في أيدي قوى مرتبطة بإسرائيل، بقيادة الجولاني ومن معه من المرتزقة، وتحت عين وسمع وبصر السعودية وقطر وتركيا، فمن أين يأتي التعويل على اتفاق مكة باعتباره نواة لنظام إقليمي جديد؟
سقوط سوريا
هل أسقطتم سوريا؟
والحديث هنا ليس عن نظام بشار الأسد نفسه؛ فنظام الأسد، في أيامه الأخيرة، لم يكن واضحًا في عدائه لإسرائيل، ولم ينخرط في المعركة بصورة مبكرة وسريعة مثل حزب الله، وإن كان حزب الله نفسه لم ينخرط بالشكل الذي كان يأمله مخططو طوفان الأقصى، وهو ما جرى شرحه في المقال السابق المشار إليه آنفًا.
لكن المشكلة أن النظام الذي استُبدل بنظام بشار الأسد، الذي لم يكن على الأقل يعادي فلسطين أو الفلسطينيين، أصبح نظامًا تقوده قوى لا يبدو أن من أولوياتها سوى خدمة إسرائيل والولايات المتحدة.
وقد جاء الجولاني، وفق هذا الطرح، لتحقيق هدفين أساسيين: التخلص من نظام بشار الأسد، وما يمثله من حلقة مهمة في سلسلة إمداد المقاومة في لبنان بالسلاح، ثم التوجه بعد ذلك نحو الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان للتخلص منهما، وإن كان الهدف يميل أكثر إلى الحشد الشعبي.
هذا هو الهدف الذي جاء من أجله الجولاني، سواء أرادت الولايات المتحدة استخدامه في مواجهة حزب الله في لبنان (كما جاهر ترامب صراحة بهذا الطلب) أو الحشد الشعبي في العراق.
الجولاني الذي تلقى دعمًا لوجستيًا من إسرائيل، كان أردوغان نفسه يقدم له الدعم والتمويل، إلى جانب قطر والسعودية.
وهنا يبرز السؤال الذي قاله معروف الرصافي في إحدى قصائده: كيف نظن بالأبناء خيرًا إذا هم نشأوا في أحضان الجهالات؟
كيف نظن بالأمة خيرًا إذا كان هؤلاء هم من يتولون مهمة الدفاع عنها، ويُفترض أن يقودوا عملية بناء نظام إقليمي جديد، بينما كانوا عاجزين عن النجاح في اختبار غزة؟
لا قيادة إقليمية
إذا كان هذا هو حال الدولتين الأكبر في اتفاق مكة، فلا يمكن بناء أوهام حول قدرتهما على إنتاج نظام إقليمي جديد.
في اختبار غزة، لم تظهر إرادة عربية قادرة على التصدي لإرادة نتنياهو الدموية والإرادة الأمريكية الداعمة لها، سواء في عهد بايدن أو ترامب.
وبالتالي، فإن أي حديث عن نظام إقليمي جديد، أو عن قدرة دولة بعينها على الوقوف في وجه المخطط الإسرائيلي والأمريكي، يظل مجرد كلام بلا أساس ما لم تتوافر القدرة الفعلية على الفعل.
وهذا ينطبق أيضًا على مصر.
مصر التي تقتات منذ ثلاث سنوات على خطاب رفض التهجير، وكأن رفض التهجير كان خيارًا يمكن ببساطة التخلي عنه. وكأن مصر كان بإمكانها قبول التهجير دون أن يعني ذلك شيئًا بالنسبة إلى أمنها القومي.
القبول بالتهجير كان يعني، في أحد وجوهه، إلغاء المبرر الوجودي للجيش المصري، لأن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء كان سيعني نقل الصراع إلى الأراضي المصرية، وتهديد سيناء، ومن ثم تهديد قناة السويس والأمن القومي المصري.
الجيش والتهجير
ومهما كانت تبعية الجيش المصري منذ كامب ديفيد وحتى هذه اللحظة، فإن هناك بعض الثوابت التي لم تختفِ بالكامل.
صحيح أن هذه الثوابت لم تظهر في تيران وصنافير، ولم تظهر في ملف نهر النيل، ولم تظهر في التفريط الاقتصادي والارتهان المتزايد لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وللإمارات، لكن ملف التهجير كان يمثل ورقة التوت الأخيرة.
ولو سقطت هذه الورقة، لكان معناها أن المؤسسة العسكرية المصرية فقدت سببًا أساسيًا من أسباب وجودها، وفقدت جزءًا من المبرر الذي يمنحها احترام المصريين واعتزازهم بها.
ولهذا، فإنني لا أثق في السيسي إطلاقًا، ولا أثق في أنه كان معارضًا للتهجير أو رافضًا له من حيث المبدأ، وأميل أكثر إلى الرواية التي تقول إن المؤسسة العسكرية هي التي فرضت هذا الموقف، لأنها تدرك جيدًا أن التفريط هذه المرة قد يعني زوال المؤسسة العسكرية نفسها، وربما زوال مصر بصورتها الحالية.
فتحـية للمؤسسة العسكرية، وإن كانت الاستفاقة متأخرة.
لكن حتى هذا الموقف لا يمكن اعتباره كسرًا لإرادة نتنياهو.
كسر إرادة نتنياهو وترامب كان يعني وقف الإبادة الجماعية في غزة. أما رفض التهجير، فهو في النهاية تحكم في أرضك وسيادتك. هل تحتاج إلى إرادة استثنائية حتى تحكم في أرضك؟
هذه واحدة من كوارث كامب ديفيد وإرث السادات، حاسبه الله على ما فعل، إذ أصبح مجرد ممارسة الدولة لحقها في أرضها وسيادتها يُقدَّم باعتباره إنجازًا استثنائيًا.
كفى تفريطًا منذ كامب ديفيد وحتى هذه اللحظة.
معاهدة لا تُفعل
لذلك، لا أتوقع خيرًا كبيرًا من اتفاق مكة، وأرجح أن عمره سيكون سنة أو سنتين على الأكثر قبل أن يُعلن حله، أو على الأقل سيظل اتفاقًا بلا قيمة فعلية حتى إذا لم تعلن أي دولة انسحابها منه.
وحتى إذا انضمت مصر إلى الاتفاق، فما القيمة الحقيقية لذلك؟
هل كنا بحاجة إلى اتفاق دفاع مشترك جديد حتى نقول للعالم إن لدينا الحق في الدفاع عن أنفسنا؟ أليست هناك معاهدة للدفاع المشترك داخل جامعة الدول العربية؟
لماذا لم تُفعّل هذه المعاهدة في أي من حروب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين؟
لماذا لم تُفعّل المعاهدة عندما وقعت الإبادة الإسرائيلية في غزة؟
لماذا لم تُفعّل في حروب 2008 و2012 و2014 و2021، وفي العدوان المتواصل منذ 2023؟
ولماذا لم تُفعّل في حروب الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان، سواء عام 1996 أو عام 2006؟
لم تُفعّل، ولن تُفعّل.
وبالتالي، نحن لم نكن بحاجة إلى معاهدة جديدة كي نقول إن لدينا مبررًا أو سببًا للتدخل والدفاع عن أي دولة عربية.
أردوغان وإسرائيل
ثم ماذا عن تركيا؟
هل كنا بحاجة إلى اتفاق دفاع مشترك حتى نختبر قدرة أردوغان على مواجهة إسرائيل؟
أردوغان الذي تمر عبر أراضيه إمدادات ومسارات تجارية مرتبطة بالطاقة والتجارة مع إسرائيل (مثل انبوب الغاز القادم من أذربيجان، والحديد التركي المصدر إلى إسرائيل)، والذي ترتبط بلاده (بل وابنه وصهره) بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة معها، كيف يمكن أن نتوقع من سياسة أردوغان أن تقف في مواجهة إسرائيل بصورة حقيقية؟
وماذا عن محمد بن سلمان والسعودية؟
السعودية التي ساهمت، إلى جانب الإمارات والأردن، في إنشاء جسر بري لإمداد إسرائيل، بعدما أدت الهجمات اليمنية إلى تعطيل وصول البضائع إلى ميناء إيلات، كيف يمكن أن نتوقع أن تمتلك القدرة والإرادة على كسر إرادة إسرائيل؟
فلسطين هي القضية المركزية.
والدولة أو النظام العربي أو الحاكم العربي الذي سيجرؤ على كسر الإرادة الصهيونية في إبادة الفلسطينيين سيكون هو النظام العربي الوحيد القادر على قيادة المنطقة.
إن أي نظام، عربيًا كان أو إسلاميًا، يملك القدرة على الانتصار للقضية الفلسطينية، بوصفها القضية المركزية في المنطقة، ويستطيع وقف الإبادة وإجبار نتنياهو وترامب والولايات المتحدة على وقفها، سيكون هو النظام القادر على قيادة المنطقة.
أما إذا لم يوجد نظام واحد لديه هذه القدرة، فإن الحديث عن قيادة إقليمية جديدة يصبح بلا معنى.
الجميع متورط
الجميع يتعامل مع إسرائيل من تحت الطاولة.
أردوغان، كما سبق أن شرحنا، له علاقاته مع إسرائيل. ومحمد بن زايد كذلك، والبحرين على النهج نفسه، والكويت لا تملك أصلًا القدرة على قيادة العرب، وقطر في وضع لا يختلف كثيرًا عن تركيا والسعودية.
أما مصر، فهناك مئات الشركات والمصانع المصرية التي صدرت بضائع إلى إسرائيل خلال فترة الإبادة، ومن بينها، وفق البيانات، 313 شركة ومصنعًا.
وإذا كان هناك توجه رسمي حقيقي يرفض التعاون مع إسرائيل والتطبيع الاقتصادي معها وإمدادها بالبضائع، فلم تكن أي شركة ستجرؤ على الاستمرار في ذلك.
فإذا كان الجميع قد فشل في اختبار غزة، وإذا كان الجميع قد فشل في القضية المركزية الأهم في المنطقة، فإن السؤال يصبح واضحًا: من يستطيع أن ينجز إنجازًا معاديًا لما تريده الإمبريالية، ومعاديًا لما يريده نتنياهو والولايات المتحدة؟
ذلك الطرف، حينها، سيكون القائد الأهم والأبرز في المنطقة.
محور المقاومة
لكن هل يوجد اليوم من يمكن التعويل عليه؟
التجربة خلال السنوات الثلاث الماضية أثبتت أنه لا يوجد.
أردوغان مثل السيسي، ومحمد بن سلمان، وتميم، ومحمد بن زايد، وإن كانت درجات التورط والعلاقة مع إسرائيل تختلف من دولة إلى أخرى. أردوغان لا يؤخذ منه، في النهاية، سوى الكلام والتصريحات، بينما يبقى الفعل السياسي والاقتصادي مختلفًا عن الخطاب.
ومع انكسار محور المقاومة، للأسف، دخلت المنطقة بصورة أكبر إلى بيت الطاعة الإسرائيلي.
والسؤال هنا: ما الذي يمنع نتنياهو من قصف السعودية إذا أراد؟
ما الذي يمنعه من قصف قطر مجددا أو الإمارات؟
لقد قُصفت اليمن، وقُصفت إيران، ووصلت التداعيات إلى دول المنطقة، فما الذي يمنع إسرائيل من استهداف أي دولة أخرى إذا قررت ذلك؟
مصر وتركيا قد تكونان استثناءين من حيث صعوبة التدخل العسكري الإسرائيلي المباشر، لكن ما الذي يمنع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من محاولة التدخل أو العمل داخل تركيا أو مصر، رغم أن جهازي الاستخبارات في البلدين يُعدان من الأجهزة القوية في المنطقة؟
ما الذي يمنع نتنياهو من العربدة؟
لا شيء، في تقديري.
فهو لا يرى في هذه المنطقة دولة أو نظامًا قادرًا على وقف جرائمه، ولا يرى نظامًا يملك القدرة على فرض إرادته عليه.
ولا يهتم بتصريحات أردوغان العنترية، ولا بالخطابات الإلكترونية التي يطلقها أنصار هذا النظام أو ذاك، ولا بالمزايدات التي تدور حول القوة والقدرة والردع.
ورقة التهجير
أما ملف التهجير، فقد كان ورقة التوت الأخيرة، ولو سقطت، لكان من الممكن أن تتبعها تداعيات خطيرة على المؤسسة العسكرية المصرية.
أنا أميل إلى أن السيسي لم يكن يمانع التهجير بالضرورة، خلافًا لمن يتحدثون عن رفضه المطلق للمشروع، وأميل أكثر إلى الرواية التي ترى أن المؤسسة العسكرية المصرية هي التي رفضت التهجير.
فالسيسي الذي فرّط في تيران وصنافير، والذي أخفق في حماية مصالح مصر في ملف نهر النيل، ماذا كان سيمنعه، وفق هذا المنطق، من التفريط في رفح والعريش؟
لكن المؤسسة العسكرية تدرك أن الأمر مختلف هذه المرة، لأن التفريط في سيناء لا يمثل مجرد تنازل سياسي، وإنما يمس جوهر وجود الدولة المصرية ومؤسستها العسكرية.
الاختبار النهائي
مرة أخرى، من سقط في اختبار غزة، وهي القضية المركزية، سقط في الاختبار الأهم.
وهذا هو السؤال الرئيسي.. كما يقول الأكاديميون.
إذا فشلت في الإجابة عن السؤال الرئيسي، فلا قيمة لإجاباتك عن الأسئلة الفرعية.
لذلك، لا تشغلوا أنفسكم كثيرًا باتفاق مكة، ولا باتفاقات جديدة، ولا بالضجيج الإعلامي المحيط بها.
بماذا يضر إسرائيل اتفاق مكة بين باكستان والسعودية وتركيا؟ وماذا يضرها حتى لو انضمت مصر وقطر والإمارات؟
هل لدى أي من هذه الدول القدرة على رفض قرار نتنياهو؟
هل لدى أي منها القدرة على إجبار إسرائيل على وقف حرب الإبادة في غزة أو لبنان؟
هل لديها القدرة على منع إسرائيل من قصف سوريا إذا أرادت ذلك؟
لقد قصفت إسرائيل مواقع في سوريا، بل وقصفت قصرًا رئاسيًا، بينما لم يجرؤ الجولاني والقوى المسلحة الموجودة هناك على مواجهة إسرائيل، رغم أن تركيا والسعودية وقطر والإمارات يُفترض أنها داعمة لسوريا الجديدة.
بل إن إسرائيل احتلت مساحات واسعة من الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، ولم نرَ قوة إقليمية قادرة على منعها.
الجميع شاهد الفيديو الشهير الذي ظهرت فيه دورية إسرائيلية أمام دورية للأمن العام السوري، قبل أن تنسحب الأخيرة وتترك الطريق للقوة الإسرائيلية.
فإذا كنت مكان نتنياهو، فما الذي يخيفني منكم؟
ما الذي سيجعلني أخشاكم؟
هل تملكون القدرة على منعي من التصرف بطريقة معينة؟ هل تملكون القدرة على إيقاف حرب أريدها أو قصف أريده؟
لا.
لا يملك أردوغان، ولا مصر، ولا السعودية، ولا باكستان، ولا أي طرف آخر، القدرة على فرض إرادته على إسرائيل.
وطالما أنكم فشلتم في القضية المركزية، وفي السؤال المركزي، وفي الاختبار الرئيسي، فلا قيمة لكل ما بعد ذلك.
يمكنكم توقيع اتفاقات مع خمسين دولة، ويمكنكم شراء السلاح النووي من باكستان إذا أردتم، لكن كل ذلك لا يساوي شيئًا إذا غابت الإرادة السياسية والقدرة على استخدامها.
دول مسلوبة الإرادة
المشكلة الأساسية أن الدول العربية، شعوبًا وحكامًا، تعاني من أزمة إرادة، وإن كانت درجاتها وأسبابها مختلفة.
وكفى لجانًا إلكترونية وذبابًا إلكترونيًا يتشاتم بعضه بعضًا ليل نهار؛ المصريون يتشاتمون مع السعوديين، والسعوديون مع الإماراتيين، والإماراتيون مع القطريين، والجزائريون ضد المغاربة، وكل طرف يعتقد أن بلده هو القوة العظمى التي منعت إسرائيل من فعل شيء ما.
في النهاية، لا قيمة لكل هذه المعارك الإلكترونية إذا كانت الأنظمة نفسها عاجزة عن الفعل.
اثنان وعشرون حاكمًا عربيًا، بالإضافة إلى حكام الدول الإسلامية، وعلى رأسهم أردوغان، لا يمكن التعويل عليهم إذا كانوا قد فشلوا جميعًا في اختبار الإرادة في غزة.
ومن فشل في اختبار غزة، لا يمكن التعويل عليه في قيادة نظام إقليمي، ناهيك عن أن يكون قادرًا على صناعة هذا النظام.
عبدالرحمن كمال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق