أحدث الموضوعات
recent
عنوان الشريحة الأولى
عنوان الشريحة الثانية

حين لا تكفي صناديق الاقتراع: كيف يُعاد تشكيل الحكم في إسرائيل؟

د. أسعد العويوي

هل تُحسم الانتخابات الإسرائيلية بصناديق الاقتراع وحدها، أم أن المعركة الحقيقية تبدأ بعد إعلان النتائج، حين تتحول المقاعد البرلمانية إلى أوراق ضغط ومساومة، وتصبح الانشقاقات أداة لإعادة تشكيل السلطة؟

تكشف التقارير المتداولة عن تحركات داخل حزب الليكود لاستقطاب نواب محتملين من معسكر غادي آيزنكوت، عن جانب مهم من طبيعة الصراع السياسي في إسرائيل. فالمسألة لا تتعلق فقط بالفوز بأكبر عدد من المقاعد، بل أيضًا بتفكيك المعسكرات المنافسة، واستثمار الخلافات الداخلية، والبحث عن نقاط الضعف التي يمكن من خلالها تغيير موازين القوى.

وتستحضر هذه التحركات تجربتي عيديت سيلمان وعميحاي شيكلي، اللذين شكّل انشقاقهما عن معسكر حكومة نفتالي بينيت عاملًا مهمًا في إضعاف تماسكها. وهي تجربة تؤكد أن استقرار الحكومات الإسرائيلية لا يرتبط بعدد المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على ولاء نوابها ومنع انتقالهم إلى المعسكر المنافس.


في هذا السياق، يبدو أن حزب الليكود لا ينتظر نتائج الانتخابات ليبدأ تحركاته، بل يسعى إلى الاستعداد مسبقًا لمرحلة ما بعدها، من خلال دراسة خلفيات المرشحين ومواقفهم السابقة، وتحديد الشخصيات التي قد تكون مستعدة لتغيير موقعها السياسي. وإذا صحت هذه المعطيات، فإننا أمام استراتيجية تتجاوز المنافسة الانتخابية التقليدية إلى محاولة التأثير في شكل الحكومة المقبلة قبل أن تتضح نتائج الاقتراع.

لكن هذه الاستراتيجية لا تعكس قوة طرف واحد بقدر ما تكشف عن هشاشة محتملة في بنية التحالفات السياسية. فالمعسكر الذي لا يستطيع ضمان التزام أعضائه ببرنامجه ومواقفه يصبح عرضة للتفكك، مهما كانت نتائجه الانتخابية. ولذلك، فإن التحدي أمام آيزنكوت لا يقتصر على جمع الأصوات، بل يشمل بناء كتلة سياسية متماسكة، قادرة على مواجهة الضغوط والإغراءات والحسابات الشخصية.

ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع كل محاولة استقطاب بوصفها انشقاقًا محققًا؛ فالحديث عن الخطط والتحركات لا يعني بالضرورة نجاحها. لكن مجرد الاستعداد لهذه المعركة يكشف أن الصراع على الحكم في إسرائيل لا يجري داخل الحملات الانتخابية وحدها، وإنما يمتد إلى ما بعدها، حيث تتداخل الحسابات الحزبية مع المصالح الشخصية ومفاوضات تشكيل الائتلافات.

والأهم أن هذه الصورة تذكّرنا بأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل أيضًا باحترام نتائجها، ووضوح البرامج، وثبات المواقف أمام الضغوط. فعندما يصبح تغيير الولاءات وسيلة لتبديل موازين الحكم من دون العودة إلى الناخبين، تتراجع قيمة التفويض الشعبي، وتتحول العملية الانتخابية إلى بداية لمساومات لا يعرف المواطن أين تنتهي.

إن السؤال الحقيقي ليس من سيفوز بالمقاعد، بل من سيتمكن من تحويل الفوز الانتخابي إلى سلطة مستقرة، ومن سيملك القدرة على منع خصومه من إعادة رسم المشهد بعد انتهاء التصويت. ففي السياسة الإسرائيلية، قد لا يكون الفوز في الانتخابات نهاية المعركة؛ بل قد يكون مجرد الجولة الأولى منها.

* أكاديمي فلسطيني وباحث سياسي

زقاق النت

زقاق النت

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.