من أهم نتائج وانجازات "ثورة ٣٠ يونيو 2013" في مصر، أنها كانت الضربة القاضية بالنسبة لبقايا وبوادر اي عمل سياسي منظم.. لقد ضمن هذا الإنجاز لوزير الدفاع الذي قاد الانقلاب العسكري، عبدالفتاح السيسي -حاكم مصر منذ 2013 - أن يبيع البلد ويدمرها وهو لا يخشى من ردة فعل الشعب، خصوصا ان الطرف الوحيد داخليا الذي يقدر على أن يطيح به (المؤسسة العسكرية) تحول لشركة رأسمالية متوحشة محكومة بمرتزقة، لديها القابلية لتبيع اي شيء طالما ستقبض الثمن ملايين. بل ان السيسي نجح بشكل واضح ومقنن في ترسيخ هذه الأنانية والتفريط وعدم الاهتمام بمصير مصر وشعبها، فازداد ارتباط الجيش به وبقت مصلحته أن يظل السيسي موجودا حتى لو المحصلة النهائية أن مصر نفسها وشعبها مهددين بالزوال.
حتى على مستوى الارتباط العضوي بين الجيش وامريكا، السيسي كان حريص أنه يكون عن طريقه هو، كي يأمن غدر الجيش لو المؤسسة استشعرت -في وقت ما- أن مصلحتها تكمن في الاطاحة به، وهو ما تم عن طريق أن كل اتصالات البنتاجون (كجهة حاكمة لمصر التابعة لاختصاصاته في تقسيمات الحكم الأمريكي) بالجيش المصري تكون بعلمه وتصرفه، بالإضافة للتخلص من مراكز القوى القائمة وقتها والمحتملة مستقبلا في الجيش، خصوصا الحرس القديم المزامل له الذي كان مساهما في مشهد ٣٠ يونيو، وربما يكون عندهم تطلعات وطموح يهدد السيسي مستقبلا (يقال ان محمود حجازي اطيح به من رئاسة الأركان لأنه عرض نفسه على الامريكان كبديل للسيسي بعد تزايد الغضب الشعبي منه)، وتحديدا في منصبي رئيس الأركان وقائد المنطقة المركزية لكونهما اهم منصبين من حيث النفوذ والقدرة العملياتية. ربما ليس كثيرون يتذكرون قراره بعدم الابقاء على اي قيادة عسكرية عليا لاكتر من سنتين في منصبه (خاصة وزير الدفاع ورئيس الأركان) للحيلولة دون ان تكون هذه القيادة مركز قوى محتمل، وفاكرين حكايته مع أسامة عسكر اللي انتهت بخروج الأخير ليلحق بكل الحرس المزامل للسيسي، ويمكن سرّع من ضرورة التخلص منهم وفاة المشير طنطاوي، راعي السيسي وأستاذه.
لم يكن السيسي ليقدر على التفرغ لـ"كنس" المؤسسة العسكرية وتقنين ارتباطها به لو كان الشارع المصري لا يزال حيا، وينبض بحياة سياسية واحزاب وحركات ونقابات وتنظيمات. لذك، كان كل ما سبق هو أول ما تخلص منه السيسي، وأيضا جمعته المصلحة في هذه النقطة مع قيادات الجيش الذين كانوا قد عقدوا النية على عدم تسليم الحكم للمدنيين مرة تانية، وبالتالي ضرورة التخلص منهم ومن أي ارهاصات أو بوادر لأى قدرة مستقبلية محتملة للعمل السياسي المنظم.
استفاد السيسي من موت العمل السياسي في أنه شعر بالأمان من ناحية الشارع، مع تقنين القبضة الأمنية والاعتقالات لأتفه الأسباب ومهما كانت الخلفيات، ومن أَمِنَ العقوبة أساء الأدب. لذلك، شاهدنا مسلسل تفريط مستمر من ٢٠١٣ في مقدرات وثروات وأصول وأرض ونهر النيل والأمن القومي. كما شاهدنا أعمار أكثر من 60 ألف مصري تضيع في السجون، بالإضافة إلى مئات الآلاف تضيع أعمارهم على الطرق ومن الجوع واليأس. وكل هذت زالسيسي لا يأبه مطلقا بالشعب الذي يراه السيسي قد دخل مرحلة موات لن يستيقظ منها طوال فترة حكمه، خصوصا مع توريطه الجيش في كل الخيانات السابقة من جانب، وإثارة شهواتهم باستمرار سواء للمال أو المصالح أو النفوذ المتمثل في معاملتهم كطبقة نخبوية ملحقة بالحاكم.
أي أن٣٠ يونيو التي اطاحت بالإخوان ومخطط أوباما كما يزعم بعض اليساريين السذج في مصر، اتضح أنها مجرد "كاندوم" ارتداه الجيش للتخلص من كل خصومه وقتها وخصومه المحتملين لاحقا، وعلى رأسهم اليسار نفسه. تماما كما نجح الجيش في استغلال ٢٥ يناير للتخلص من كابوس التوريث دون صدام مع مبارك وأجهزة أمنه خصوصا جهاز المخابرات العامة بقيادة عمر سليمان عدو طنطاوي والسيسي، وأمن الدولة بقيادة وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، بالإضافة لرجال جمال مبارك وعلاقاته بالحزب الديمقراطي الأمريكي، الذي كان منفتحا على نقل الحكم لوجه مدني وتلميذ مخلص للنيوليبرالية مثل جمال مبارك.
الأخطر أن ٣٠ يونيو كرست وأسست لكل الخيانات التالية بشكل يفوق تأسيس اتفاقية كامب ديفيد نفسها لكل ما تلاها من خيانات، ورغم ذلك، لا يزال بعض المحسوبين على اليسار يهللون لـ"30 يونيو" لمجرد أنها اطاحت بالإخوان الذين فشل اليسار في التصدي لهم شعبيا، ولو أجريت غدا في مصر، انتخابات حرة نزيهة بين اليسار وبين اي فصيل من الاسلاميين، فلن ينجح هذا اليسار في الحصول على 20 من الأصوات في مواجهة الإسلاميين، وسيهرع وقتها للمؤسسة العسكرية لتطيح بالإسلاميين مجددا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق